اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، أحمدك اللهم وأشكرك ولا أكفرك، وأؤمن بك وأتوكل عليك وأثني عليك الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا أنت سبحانك أنت قيوم السماوات والأرض، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله.
أما بعد: فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) )رواه البخاري، وروى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أبي هريرة أنه قال: قيل: يا رسول الله، ما يعادل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (( لا تستطيعونه ) )، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: (( لا تستطيعونه ) )، ثم قال: (( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ) )، وقال عليه الصلاة والسلام: (( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر وغنيمة ) )، وفي لفظ آخر: (( تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة ) )جزء من حديث رواه مسلم وغيره، وقال: (( ما من مَكْلُوم يُكْلَم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكَلْمُه يُدْمَى، اللون لون الدم، والريح ريح المسك ) )، وقال: (( ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار ) )رواه البخاري، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق ) )رواه مسلم وأبو داود، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه شيء حتى ترجعوا إلى دينكم ) )رواه أبو داود وغيره.
ففيما مر من الأحاديث بيان فضل الجهاد وما أعده الله للمجاهدين الصادقين من المنازل العالية والثواب الجزيل، وبيان أن الإعراض عن الجهاد وعدم تحديث النفس به من شعب النفاق، وأن التشاغل عنه بالتجارة والزراعة والمعاملات الربوية من أسباب ذل المسلمين وتسليط الأعداء عليهم كما هو الواقع، وأن الذل لن ينزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم بالاستقامة على أمر الله والجهاد في سبيله.
وعلينا أن نعلم أن الجهاد فرض كفاية على المسلمين، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ويكون فرض عين على كل رجل مسلم بالغ قادر ليس له عذر يمنعه من عمى أو عرج أو شلل أو أي مرض يعذر فيه عن التخلف أو لأمر يراه ولي الأمر لتخلفه أو غير ذلك من الأسباب المبيحة. فحكم الجهاد في هذه الأيام ومحاربة أعداء الله ورسوله من الملحدين والعلمانيين والقوميين العرب والكفار عمومًا هو فرض كفاية إذا قام به المكلفون رسميًا ومن قام معهم سقط عن البقية، أما إذا استنفرنا ولي الأمر فإنه يصبح فرض عين على الجميع ممن ليس له عذر شرعي، ولا يجوز للمسلم التخلف إلا بعذر شرعي.