فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 1257

كما جأر عبده الصالح نوح: (فدعا ربه أني مغلوب، فانتصر) . . ثم ينتظروا فرج الله القريب. وانتظار الفرج من الله عبادة؛ فهم على هذا الانتظار مأجورون.

ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادا كبيرا. . إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن؛ ومن ثم يتذوقونه ويدركونه؛ لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابا مباشرا به، كما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى، فتذوقته وأدركته وتحركت به. .

المفاصلة مع أهل الكتاب

نصوص هذا الدرس كله نؤيد ما ذهبنا إليه في تقديم السورة، من أن هذه السورة لم تنزل كلها بعد سورة الفتح التي نزلت في الحديبية في العام السادس الهجري؛ وأن مقاطع كثيرة فيها يرجح أن تكون قد نزلت قبل ذلك؛ وقبل إجلاء بني قريظة في العاممن يشاء. وأن موالاة غير الجماعة المسلمة معناه الارتداد عن دين الله، والنكول عن هذا الاختيار العظيم والتخلي عن هذا التفضل الجميل. .

وهذا التوجه واضح في النصوص الكثيرة في هذا الدرس: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . بعضهم أولياء بعض. . ومن يتولهم منكم فإنه منهم. . إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . . (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم) . . (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) . .

ثم يربى القرآن وعي المسلم بحقيقة أعدائه، وحقيقة المعركة التي يخوضها معهم ويخوضونها معه. إنها معركة العقيدة. فالعقيدة هي القضية القائمة بين المسلم وكل أعدائه. . وهم يعادونه لعقيدته ودينه، قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ لأنهم هم فاسقون عن دين الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله: (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل من قبل. وأن أكثركم فاسقون ? ?) فهذه هي العقدة؛ وهذه هي الدوافع الأصيلة!

وقيمة هذا المنهج، وقيمة هذه التوجيهات الأساسية فيه، عظيمة. فإخلاص الولاء لله ورسوله ودينه وللجماعة المسلمة القائمة على هذا الأساس، ومعرفة طبيعة المعركة وطبيعة الأعداء فيها. . أمران مهمان سواء في تحقيق شرائط الإيمان أو في التربية الشخصية للمسلم، أو في التنظيم الحركي للجماعة المسلمة. . فالذين يحملون راية هذه العقيدة لا يكونون مؤمنين بها أصلا، ولا يكونون في ذواتهم شيئا، ولا يحققون في واقع الأرض أمرا ما لم تتم في نفوسهم المفاصلة الكاملة بينهم وبين سائر المعسكرات التي لا ترفع رايتهم، وما لم يتمحض ولاؤهم لله ورسوله ولقيادتهم الخاصة المؤمنة به، وما لم يعرفوا طبيعة أعدائهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت