[الحج: 52، 53] . وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا / لم يتكلم به النبي، لكن قد يكون في ظنه الذي يتكلم به بعضه النخل ونحوها، وهو يوافق ما ذكرناه.
وإذا كان التمني لا بد أن يدخل فيه القول ففيه قولان:
الأول: أن الإلقاء هو في سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول، وهذا قول من تأول الآية بمنع جواز الإلقاء في كلامه.
والثاني ـ وهو الذي عليه عامة السلف ومن اتبعهم: أن الإلقاء في نفس التلاوة، كما دلت عليه الآية وسياقها من غير وجه، كما وردت به الآثار المتعددة، ولا محذور في ذلك إلا إذا أقر عليه، فأما إذا نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته فلا محذور في ذلك، وليس هو خطأ وغلط في تبليغ الرسالة، إلا إذا أقر عليه.
ولا ريب أنه معصوم في تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ، كما قال: (فإذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به، فإني لن أكذب على الله) ، ولولا ذلك لما قامت الحجة به، فإن كونه رسول الله يقتضي أنه صادق فيما يخبر به عن الله، والصدق يتضمن نفي الكذب ونفي الخطأ فيه. فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن الله وأقر عليه لم يكن كل ما يخبر به عن الله.
والذين منعوا أن يقع الإلقاء في تبليغه فروا من هذا، وقصدوا / خيرًا، وأحسنوا في ذلك، لكن يقال لهم: ألقي ثم أحكم، فلا محذور في ذلك. فإن هذا يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهي من بعض الوجوه، فإنه إذًا موقن مصدق برفع قول سبق لسانه به ليس أعظم من إخباره برفعه.
ولهذا قال في النسخ: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ} [البقرة: 143] ، فظنهم أنهم قد كذبوا هو يتبع ما يظنونه من معنى الوعد، وهذا جائز لا محذور فيه، إذا لم يقروا عليه. وهذا وجه حسن، وهو موافق لظاهر الآية ولسائر الأصول من الآيات والأحاديث، والذي يحقق ذلك أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من باب الأمر والنهي.
فإذا كان من الجائز في باب الأمر والنهي أن يظنوا شيئًا، ثم يتبين الأمر لهم بخلافه، فلأن يجوز ذلك في باب الوعد والوعيد بطريق الأولي والأحري، حتى إن باب الأمر والنهي إذا تمسكوا فيه بالاستصحاب، لم يقع في ذلك ظن خلاف ما هو عليه الأمر في نفسه، فإن الوجوب والتحريم الذي لا يثبت إلا بخطاب إذا نفوه قبل الخطاب، كان ذلك اعتقادًا مطابقًا للأمر في نفسه، وباب الوعد إذا لم يخبروا به قد يظنون انتفاءه، كما ظن الخليل جواز المغفرة لأبيه حتى استغفر له، ونهينا عن الاقتداء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) ، وحتى استأذن ربه في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له / في ذلك، وحتى صلى على المنافقين قبل أن ينهي عن ذلك وكان يرجو لهم المغفرة، حتى أنزل الله ـ عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} إلى قوله: {لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 113،114] ، وقال عن المنافقين: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} الآية [التوبة: 84] ،