فقدَّمت لهم بحثًا شرعيًا ثم بحثًا سياسيًا وعسكريًا، وقلت لهم:"إذا لم تسعكم الرجولة التي يفرضها الدين والتأسّي بالصحابة والتأسّي بالسلف والتأسّي بالرسل، إذا لم يسعكم هذا فتأسُّوا برجولة أبي جهل"!.
بعد أن أصيب أبو جهل أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حتى يأتيه برأس أبي جهل، وكان أبو جهل قد قُطعت أذنه سابقًا، فذهب ابن مسعود فوجد أبا جهل وبه رمق، وكان أبو جهل رجلًا ضخمًا عملاقًا حتى جاء في الرواية تعبير غريب: (فتسلّق على صدره) .
فتسلَّق على صدره وأراد أن يذبحه، فسأله أبو جهل: (لمن الدائرة اليوم؟) ، فقال له: (لله ورسوله وقد أخزاك الله) ، فقال له: (بلّغ محمدّا أني ما ندمت على عداوته ولا ساعة) . يعني صحيح خسرنا الحرب ولكن نحن ثابتون، فوصلت الرسالة للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (هلك فرعون هذه الأمة) .
فكان راسخًا ورجلًا وصامدًا على العوج الذي فيه، وبسبب هذه المواصفات تمنّى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إسلامه عندما تمنّى إسلام أحد العمرين، لأنّ فيه مواصفات.
وهذ المواصفات التي كانت في كفّار ذلك الزمان لم تعد في كفار هذا الزمان، ولذلك عندما كان الكفار واقفين على بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقتلوه قبل الهجرة عندما نام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على فراشه في القصة المشهورة، قال الناس لأبي جهل:"لندخل ونقتله لماذا نبقى على بابه إلى الصبح"، فقال أبو جهل:"لا تقول العرب روّعنا بنات عمّاتنا في الليل"!.
وأبو سفيان -رضي الله عنه- عندما كان رأس الكفر وقابل هرقل لم يكذب ولا كذبة، قال: (لَوْلاَ الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ) . ولم يستطيع أن يُدخل شيئًا إلّا أنّه قال عندما سأله هرقل: (فَهَلْ يَغْدِرُ؟) ، فقال: (لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا) ، قَالَ: (وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ) [1] .
وسبحان الله من اللفتات الجميلة الرائعة في كتاب (الكواشف الجلية) ما قاله الشيخ أبو محمد وهو يرد على هؤلاء المشائخ الذين يدافعون عن حكام الجزيرة، قال لهم: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [2] .
فأولئك الكفار كانوا رجالًا وهذا نموذج، فهذا النموذج كان من صفاته أنه راسخ على مبدئه، فقلت لهم:"إذا لم يسعنا الدين والسلف والأمثلة فتأسّوا برجولة أبي جهل، فقولوا لهم: بلغوا"
(1) صحيح البخاري (7) .
(2) سورة القمر، الآية: 43.