فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 613

فكان الناس يأخذون في البكاء ويتأثّرون، فإذا خرجوا من المسجد خرجوا للجواري والتجارة، كما يحدث الآن ..

ويجمعون من الناس التبرعات فيأخذون مالهم ولا يساعدهم أحد، فجمعوا القليل من المال، ثم سألوا عن بقية أهل الخير من فرسان المسلمين، فذهبوا لأحد الأمراء فتَّشوا عنه شهرًا في بادية الشام وهو في الصيد، له قصور ويخرج للصيد، مثل أمراء الخليج هؤلاء الذين جاءوا لباكستان!

فبحثوا عنه شهرًا، وجمعوا له مال المسلمين ثم قالوا له:"ما رأينا أفضل منك حتى نعطيه هذا المال لتقيم جيشًا يقاتل الصليبيين". وكان الصليبيون قد نزلوا شمال غرب سوريا في تركيا، فأخذ المال وقال لهم:"تعالوا بعد شهر"، فلما رجعوا بعد شهر لم يقابلهم، فلما سألوا عنه وجدوا أنه بنى بأموال الجهاد قصرًا في الصحراء لأجل الصيد!، فهذه من الأشياء التي ذكرها المؤرّخون.

فهذا النَّجس الذي يحكم بلادنا الآن ليس غريبًا، بل مرَّ مثله عدة مرات في تاريخنا الإسلامي بهذه الصورة. وإذا كان هو يلحق بالصيد، فالآن يلحقون وراء (مارادونا) و (مايكل جاكسون) ، والمباريات، فأخذ الأموال.

وبعد ذلك ذكرت كتب التاريخ أنّ ابن الجوزي الحفيد خطب في المسجد فأراد أن يؤثر بهم تأثيًرا جيدًا، فقال لهم أن الجهاد قد حضر فهل يُرضيكم أن ينام إخوانكم على الجمر والنار وأنتم في ألوان الأطعمة والجواري .. إلخ.

ثم أخرج لهم من جيبه ضفائر وقال لهم: إذا كنتم أنتم لا تستطيعون الغزو، فهذه والله ضفائر المخدَّرات -أي ضفائر النساء في خدورهنّ- لم تكن تراها عين الشمس، جعلوا منها أعنَّة للخيل، وأرسلوها لكم حتى تربطوا بها الخيل؛ ليس لهم مال ليعطوكم إياه فقصّوا شعورهنّ وأرسلوها لكم.

ثم رماها على المصلّين وقال: خذوها واربطوا الخيل، فإن لم تفعلوا فاجعلوها ذوائب لكم يا نساءً بعمائم ولحى، وخذوا المجامر والمكاحل .. ثم قال: ميدي يا عمد المسجد، وانقضي يا رُجوم، -أي: خرّب الله المسجد فوق رؤوسكم-، لقد أضاع الرجال رجولتهم .. [1]

ولم يقل أضاع الناس دينهم، فدينهم كان ضائعًا أصلًا، فانظر إلى خطابات العلماء وكيف كان حال الناس في تلك الفترة؛ ولذلك جاءهم السيل العرم، جاءهم من الشرق ومن الغرب.

(1) الخطبة المنسوبة لسبط ابن الجوزي هي من تأليف الشيخ علي طنطاوي، يقول الشيخ في كتابه (ذكريات) صـ 314:"ومن هذه القصص ما ذكره المؤرخون من أن امرأة من دمشق رأت انقسامَ المسلمين وتقاعسهم عن قتال الصليبيين، وأرادت المشاركة في الجهاد، فعملت ما تقدر عليه: قصَّت ضفائرها، وبعثت بها إلى سِبط ابن الجوزي (أي ابن ابنته) خطيب الجامع الأموي في دمشق؛ ليكون منها قيدٌ لفرسٍ من خيول المجاهدين. ويقول المؤرِّخون: إنه خطب خطبةً عظيمة ألهبت الدماء في العروق، وأسالت الدموع من العيون، وأثارت الحماسة وأيقظت الهِمم، فلما كتبتُ القصة على طريقتي، ألَّفتُ أنا خطبةً قلت: إنها التي ألقاها على الناس، وحَسِبَ الناس أن هذه هي الخطبة الحقيقية، حتى أن خطيب المسجد الحرام الرجل الصالح الشيخ عبد الله خياط نقل فقرات منها في خطبة الجمعة على أنها خطبةُ سبط ابن الجوزي"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت