فَرْقَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ مِنْ النُّصُوصِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: أَرَأَيْت مَنْ أَحْدَثَ فِي نَصْرَانِيَّةٍ، أَوْ يَهُودِيَّةٍ، أَوْ مَجُوسِيَّةٍ: رَايًا لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ جُمْلَتِهِمْ أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ الرَّايِ وَالرُّجُوعِ إلَى جُمْلَتِهِمْ، أَوْ إلَى الْإِسْلَامِ؟ وَأَرَأَيْتُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَلْكَانِيَّةٍ إلَى نُسْطُورِيَّةٍ، أَوْ يَعْقُوبِيَّةٍ، أَوْ قَادُونِيَّةٍ، أَوْ مَعْدُونِيَّةٍ، فَدَانَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؟ أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى التَّثْلِيثِ، أَوْ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مِنْ رَبَّانِيَّةٍ إلَى عَامَانِيَّةٍ، أَوْ إلَى عِيسَوِيَّةٍ، أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَى الْكُفْرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ التَّشْنِيعِ وَكُلُّ هَذَا عَائِدٌ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فَحَقٌّ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمُ إقْرَارِهِمْ، وَلَا حُكْمُ قَتْلِهِمْ، وَلَا حُكْمُ مَا يُفْعَلُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ أَصْلًا. وَكَذَلِكَ قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} إلَى آخِرِهَا لَيْسَ فِيهَا أَيْضًا إلَّا أَنَّنَا مُبَايِنُونَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالدِّينِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِمْ، لَا مِنْ إقْرَارِهِمْ وَلَا مِنْ تَرْكِ إقْرَارِهِمْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لَنَا {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} فَمَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنَّا فَهُوَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إنَّ {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} . فَهَلَّا تَرَكُوا الْمُرْتَدَّ إلَيْهِمْ مِنَّا عَلَى رِدَّتِهِ؟ بِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةً فِي إقْرَارِ الْمُرْتَدِّ مِنَّا إلَيْهِمْ عَلَى ذَلِكَ، ذَانِكَ النَّصَّانِ لَيْسَا بِحُجَّةٍ فِيمَا أَرَادُوا التَّمْوِيهَ بِإِيرَادِهِمَا مِنْ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمْ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى إكْرَاهِ الْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ، فَمِنْ قَائِلٍ: يُكْرَهُ وَلَا يُقْتَلُ، وَمِنْ قَائِلٍ، يُكْرَهُ وَيُقْتَلُ. فَإِنْ قَالُوا: خَرَجَ الْمُرْتَدُّ مِنَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمْ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا قُلْتُمْ، وَإِنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ} فِي أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَشَيْءٌ وَاحِدٌ: هُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ الِاحْتِجَاجَ وَخَالَفَهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ أَحْكَامِ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ مَعَنَا عَلَى: أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ مَنْ تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَخْلُو مَنْ أُجْبِرَ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ فَنَعَمْ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا - وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ: فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا بُدَّ، وَلَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا؟ فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ إجْبَارِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ قَوْلُكُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنْ خَرَجَ مِنْ فِرْقَةٍ مِنْ النَّصَارَى إلَى فِرْقَةٍ أُخْرَى فَإِنَّنَا لَا نَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ