فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 879

تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} ، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ إبَاحَةِ الْقِتَالِ وَالْإِذْنِ فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

وقال ابن تيمية:

367 -7 - مَسْأَلَةٌ: هَلْ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ يُنْكِرُ مَا تَفْعَلُهُ الشَّيَاطِينُ الْجَانَّةُ مِنْ مَسَّهَا وَتَخْبِيطِهَا وَجَوَلَانِ بَوَارِقِهَا عَلَى بَنِي آدَمَ، وَاعْتِرَاضِهَا؟ فَهَلْ لِذَلِكَ مُعَالَجَةٌ بِالْمُخْرَقَاتِ وَالْأَحْرَازِ، وَالْعَزَائِمِ، وَالْأَقْسَامِ، وَالرُّقَى، وَالتَّعَوُّذَاتِ، وَالتَّمَائِمِ؟ وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجِنَّ يَرْجِعُونَ إلَى الْحَقَائِقِ عِنْدَ عَامِرَةِ الْأَجْسَادِ بِالْبَوَارِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْخَوَاتِمَ الْمُتَّخَذَةَ مَعَ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ سُرْيَانِيٍّ، وَعِبْرَانِيٍّ، وَعَجَمِيٍّ، وَعَرَبِيٍّ، لَيْسَ لَهَا بُرْهَانٌ، وَإِنَّهَا مِنْ مُخْتَلَقِ الْأَقَاوِيلِ، وَخُرَافَاتِ الْأَبَاطِيلِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ الْقُوَّةِ، وَلَا مِنْ الْقَبْضِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُتَوَلِّي هَذَا الشَّانِ عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ، وَالْأَوْقَاتِ؟

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وُجُودُ الْجِنِّ ثَابِتٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَأَئِمَّتِهَا. وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ} . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ} . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قُلْت لِأَبِي: إنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ: إنَّ الْجِنِّيَّ لَا يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ، هَذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَمْرٌ مَشْهُورٌ، فَإِنَّهُ يُصْرَعُ الرَّجُلُ فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ، وَيُضْرَبُ عَلَى بَدَنِهِ ضَرْبًا عَظِيمًا لَوْ ضُرِبَ بِهِ جَمَلٌ لَأَثَّرَ بِهِ أَثَرًا عَظِيمًا. وَالْمَصْرُوعُ مَعَ هَذَا لَا يُحِسُّ بِالضَّرْبِ، وَلَا بِالْكَلَامِ الَّذِي يَقُولُهُ. وَقَدْ يُجَرُّ الْمَصْرُوعُ، وَغَيْرُ الْمَصْرُوعِ، وَيُجَرُّ الْبِسَاطُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ. وَيُحَوِّلُ آلَاتٍ، وَيُنْقَلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان، وَيَجْرِي غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ مَنْ شَاهَدَهَا. أَفَادَتْهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، بِأَنَّ النَّاطِقَ عَلَى لِسَانِ الْإِنْسِيِّ. وَالْمُحَرِّكَ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الْإِنْسَانِ. وَلَيْسَ فِي أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُنْكِرُ دُخُولَ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّ الشَّرْعَ يُكَذِّبُ ذَلِكَ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى الشَّرْعِ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مُعَالَجَةُ الْمَصْرُوعِ بِالرُّقَى، وَالتَّعَوُّذَاتِ. فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: فَإِنْ كَانَتْ الرُّقَى وَالتَّعَاوِيذُ مِمَّا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا، وَمِمَّا يَجُوزُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا الرَّجُلُ، دَاعِيًا لِلَّهِ، ذَاكِرًا لَهُ، وَمُخَاطِبًا لِخَلْقِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْقَى بِهَا الْمَصْرُوعُ، وَيُعَوَّذَ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَنَّهُ أَذِنَ فِي الرُّقَى، مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا} . وَقَالَ: {مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ} وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَلِمَاتٌ مُحَرَّمَةٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْمَعْنَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كُفْرٌ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَ بِهَا وَلَا يَعْزِمَ، وَلَا يَقْسِمَ، وَإِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت