فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 879

المسلمين لأنهم لم يتقبلوا اغتيال الصرب الوحشي لهم في صمت ولا هتكهم لأعراضهم، بل كانوا يدافعون عن أنفسهم بين الحين و الحين!!

والأمر الثاني الذي يجب على المؤرخ المسلم إبرازه بينما المؤرخ الأوربي لا يذكره على الإطلاق، هو أن السبب الحقيقي وراء كل ألوان التخلف التي أحاطت بالمسلمين في الفترة الأخيرة كان هو التخلف العقدي .. التخلف عن حقيقة لا إله إلا الله.

إن الضعف ليس من طبيعة هذا الدين، وهو دين القوة والجهاد والتمكن، الذي اكتسح في سنوات معدودة الإمبراطورية الفارسية بأكملها ونصف الإمبراطورية الرومانية العتيدة، والذي هزم التتار في عنفوانهم وهزم الصليبيين في حملاتهم القديمة، واستقر في معظم الأرض المعمورة في وقته استقرار التمكن والرسوخ والنماء. إنما الضعف عنصر طارئ في حياة المسلمين لم يتأت لهم وهم مستمسكون استمساكا حقيقيا بدينهم. وسواء كان سببه الترف الذي أصاب الحكام العثمانيين بعد أن استتب لهم الملك والغلبة على الأعداء، أو حلقات الذكر الصوفي التي تستوعب طاقة المسلم الروحية فتصرفها عن الجهاد، وتحولها إلى سبحات روحية أشبه بالخدر منها إلى الوعي الحيّ، أو انتشار الخرافة والتعلق بالخوارق الموهومة والكرامات المنسوبة إلى المشايخ، الأحياء منهم والأموات، أو إهمال العلوم الكونية وإهمال عمارة الأرض والانصراف عن أسباب التمكن، أو الاستبداد السياسي الذي يجعل الناس ينصرفون إلى خاصة أنفسهم ويتركون الانشغال بالقضايا العامة التي تقرر مصاير الأمة، ويتركز"الدين"في حسهم في الشعائر التعبدية فحسب، أو تَحَوُّلَ الدين كله في النهاية إلى تقاليد تُرْعَى لذاتها ولكنها خاوية من الروح ..

سواء كان السبب هذا أو ذاك أو ذلك فكلها ليست من طبيعة هذا الدين، ولاهي مستوحاة من نصوصه المنزلة أو سوابقه التاريخية حين كان مطبقا تطبيقا صحيحا في واقع الحياة.

والمؤرخ الأوربي المدقق لن تفوته معرفة هذه الحقيقة:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [1]

ولكنه لن يظهره وإن عرفه وتيقن منه:

(وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [2]

فإنه لو أظهره فكأنما سيوقظ المسلمين إلى حقيقة انحرافهم عن مصدر قوتهم الحقيقي، و سيدعوهم إلى محاولة تغيير واقعهم، والعودة إلى حقيقة الإسلام التي لايمقت الغرب شيئا كمقته إياها، ولايخاف شيئا كخوفه منها.

بل لقد عمد المؤرخ الأوربي - وتبعه من تبعه من"المسلمين"الغارقين في التيه - إلى ما هو أسوأ من إخفاء تلك الحقيقة، فزعم أن"الدين"ذاته كان هو السبب في كل هذا البلاء! في الضعف والتخلف والخرافة والجهل والاستخذاء والقعود! وأنه لابد من نبذ الدين ليتحرر الناس من الجهل والخرافة، ويزيلوا الأغلال التي تمنعهم من الانطلاق! وحرص - وحرصوا معه - على منع أية إشارة تنبه الناس إلى حقيقة بعدهم عن حقيقة الدين، وأن الدين الحقيقي شيء آخر غير الذي يمارسونه باسم الدين!

حدثني ذات مرة صديق كنت أعمل معه في إدارة واحدة [3] ، أنه التقى بأحد المستشرقين أثناء مرور الأخير بالقاهرة في أوائل الستينيات من هذا القرن الميلادي، فسأله عن جملة أشياء تتعلق بالإسلام والمسلمين وما يدور من أفكار بينهم، وفي أثناء الحديث سأله: هل تعرف فلانا؟ (وذكر له اسمي) فأجابه بالإيجاب. فسأله: هل هو من خريجي الأزهر؟ قال له: لا! إنه من خريجي قسم اللغة

(1) سورة البقرة: 146

(2) سورة البقرة: 146

(3) إدارة الثقافة العامة بوزارة التعليم العالي بالقاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت