فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 879

-ذهب بالفعل إلى الفلبين، ورفع الصليب على إحدى جزرها، فقتله المسلمون هناك وقضوا على حملته [1] !

وقد كانت للغرب مصلحة ظاهرة في إخفاء الوجه الصليبي للحملة الجديدة، اتقاء لإثارة الروح الدينية عند المسلمين، التي تبعث على"الجهاد المقدس"وهو أخطر ما يخشاه الغزاة - صليبين كانوا أو صهيونيين أو عباد بقر أو عباد أصنام - وقد ذاق الغزاة بأسه بالفعل في الهند والجزائر وغيرهما من البقاع.

كتب كرومر - المعتمد البريطاني في مصر أول أيام الاحتلال - في مذكراته المسماة"مصر الحديثة Modern Egypt":"إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية (!) على رأس هذه البلاد هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح هي أساس العلاقات بين الناس وإن كان من الواجب - منعا من إثارة الشكوك - ألا يعمل رسميا على تنصير المسلمين، وأن يرعى من منصبه الرسمي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي، كالاحتفالات الدينية وما شابه ذلك"!!

و الهدف من هذا الكلام واضح .. إبعاد المسلمين عن الإسلام دون إشعارهم أن الهدف هو إبعادهم عن الإسلام! وذلك منعا من إثارة الشكوك .. أي منعا من إثارة الروح الدينية عند المسلمين، حين يتضح الوجه الصليبي على حقيقته!

ونفي الدافع الصليبي عن الغزو الصليبي الحديث كان يهدف إلى ذات الغاية التي قصد إليها كرومر، وهي عدم إثارة روح الجهاد المقدس ضد الغزاة، والسعي إلى ترويضهم بحيث يقبلون الأمر الواقع، وحتى إن اتجهوا إلى مقاومته، قاوموه بغير روح الجهاد المقدس التي يفزع منها الغزاة!

ولترويج هذه الفرية في نفوس المسلمين في البلاد المحتلة قال الغرب إنه ترك الدين منذ فترة! ولم يعد الدين هو الذي يحركه! إنما الذي يحركه هو"المصالح الاقتصادية"فحسب! ولاكت ألسن المسلمين هذه الفرية في فترة التيه، وروجها دعاة الغزو الفكري - بوعي أو بغير وعي - ليثبطوا أي تحرك جهادي إسلامي ضد الغزاة!

نعم! لقد نبذت أوربا دينها، فلم تعد تتحرك به داخل بلادها .. ولكنها لم تنس قط الروح الصليبية الكامنة في دمائها، والتي تحركها دائما ضد الإسلام و المسلمين! وهذه الحقيقة - حقيقة نبذ أوربا لدينها، وبقاء الحقد الصليبي تجاه الإسلام مشتعلا رغم ذلك - قد أشار إليها المستشرق النمساوي"محمد أسد"في كتابه الشهير"الإسلام على مفترق الطرق"الذي ألفه بعد أن أعلن إسلامه، وحاول فيه تفسير هذه الظاهرة الغريبة التي قال إنه لم يحدث مثلها في التاريخ، فقال: إن هذا الحقد قد ولد في نفوس الأوروبيين في فترة طفولتهم الفكرية والحضارية، فلم تستطع فترة النضج التالية أن تمحوه من نفوسهم، لأن ما ينطبع في الطفولة يتبقى عالقا في النفس!! [2]

ولسنا نحن في حاجة إلى شهادة محمد أسد ولا تفسيره، وعندنا شهادة الله سبحانه وتعالى وتقريره:

(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [3]

وعندنا مذبحة البوسنة والهرسك شهادة لا تحتمل التأويل. فالمندوب البريطاني"أوين"الذي ليست له أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة البوسنة والهرسك يتكلم حين يتكلم كأنما بلسان الصرب، بل يطلب للصرب أحيانا أكثر مما يطلبون هم لأنفسهم، بل طالب في أكثر من مرة بمعاقبة

(1) ومع ذلك ندرس نحن لأبنائنا أن هذه الرحلات كانت رحلات استكشافية"علمية"! ونقول لأبنائنا إن"المتبربرين"لم يقدروا الروح العلمية التي دفعت ماجلان للقيام برحلته فقتلوه!!

(2) انظر كتاب"الإسلام على مفترق الطرق"ترجمة عمر فروخ ص 58 - 59.

(3) سورة البقرة: 120

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت