والوضيع لا فرق بينهم أمام حكم الله .. فلكل له وعليه .. وعلى الجميع أن يلتزموا بما لهم وما عليهم .. بحسب ما يقضي الله تعالى في حكمه وشرعه!
وهذا من أكبر العوامل التي تعين على تحقيق السلام في الأرض .. إذ أن الآخرين يعرفون قبل أن يدخلوا في السلم مع الحق وأهله ما لهم وما عليهم .. إنهم جميعًا أمام قانون واحد لا يمكن أن يتغير ولا أن يتبدل بحسب الأهواء والمصالح .. فهو لا يخضع لمزاج السلاطين أو الحكام ولا لسياساتهم .. كما لا يجوز أن يخضع لرغبات ونزوات الشعوب المنتصرة الغالبة .. كما هو الحال عند الباطل وأهله!!
فهم عندما يدخلون في سلم الحق لن يكونوا عبيدًا للعبيد .. ولا خاضعين لسلطة العبيد كما هو الحال عندما ينتصر الباطل في موقعة من المواقع .. وإنما هم في حقيقة أمرهم داخلون في الطاعة العامة لله - عز وجل - .. وفي العبودية العامة للخالق - سبحانه وتعالى - .. وفي السلم العام الذي شرعه الله تعالى للعباد .. وهذه عبودية تشريف لا انتقاص فيها من قدر المخلوق أو العباد (1) .. !
من قوانين الحق التي يلتزم بها المسلمون حكامًا ومحكومين قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} المائدة:1. وقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} النحل:91. وقوله تعالى: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون} النحل:95. وقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا} الإسراء:34. فهي نصوص تلاحق ضمير وأخلاق المؤمن أينما ذهب أو حل وأقام .. تمنعه من أن يفكر ـ مجرد التفكير ـ في الغدر أو الخيانة أو نقض العهد مهما كانت تكاليف وتبعات الالتزام بالعهد أو العقد الذي يعطيه المؤمن للآخرين (2) .. !
ـــــــــــــــــــ
(1) العبادة نوعان: عباد شرعية دينية أو عبادة خاصة .. وهذه عبادة لا إكراه فيها إن أبى الإنسان أن يدخل فيها .. وهو المراد من قوله تعالى: {لا إكراه في الدين .. } ؛ أي لا إكراه على الدخول في العبادة الشرعية الدينية .. وعبادة كونية قدرية أو عبادة عامة؛ وهي عبادة الدخول في الطاعة العامة لحكم الله - عز وجل - .. والانقياد العام لسلطة شرع الله - عز وجل - .. وهذه عبادة لا مناص لأحدٍ من العباد أن يتخلف عنها أو لا يدخل فيها .. فإن أبوا إلا القتال قوتلوا عليها .. وهو المراد من قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} أي حتى تكون الطاعة والخضوع كله لله وحده .. وليس لسلطان، أو شعب منتصر .. فإن أتوا بالعبادة العامة والطاعة العامة لحكم الله تعالى وسلطانه .. فليدخلوا بعدها في العبادة الدينية الخاصة التي يشاءون .. وحسابهم على الله!!
(2) مما يذكره لنا التاريخ: أن أبا عبيدة بن الجراح - -رضي الله عنه- - كان قد صالح نصارى الروم على مدينة دمشق، وكان خالد بن الوليد لم يعلم بصلح وعهد أبي عبيدة مع نصارى الروم .. فافتتح دمشق عنوة من جهة الباب الشرقي للمدينة .. ولما ذكر النصارى ذلك لعبيدة ردّ إليهم المدينة بكاملها ـ التي هي دمشق! ـ وفاء بالعهد وبالكلمة التي أعطاها لهم .. !
تأمل .. أهكذا هم الصهاينة اليهود اليوم ـ ووراءهم أمريكا والغرب الصليبي ـ في تعاملهم مع العقود والعهود التي يعطونها للآخرين .. كم هي العقود والعهود التي يبرمونها اليوم .. وفي اليوم الثاني يغدرون بها لأدنى مصلحة يمكن أن يفقدونها من وراء هذا العقد أو العهد .. فأنى لهؤلاء أن يكونوا دعاة بحق للسلام أو أنهم كفأ لأن يكونوا رعاة بحق لعملية السلام .. ؟!!