ويقول محمّد بن إبراهيم آل الشيخ: إنّ من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمّد -صلى الله عليه وسلم- ليكون من المنذرين بلسان عربيّ مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عزّ وجلّ: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلًا} . وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكّموا النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فيما شجر بينهم نفيًا مؤكّدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلّموا تسليمًا} [رسالة تحكيم القوانين] .
وقد ذكر فيها أنّ من أعظم أنواع الكفر الأكبر في هذا الباب هو ما وقع فيه المرتدّون المعاصرون، فقال: الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقّة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعيّة إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتأصيلًا وتفريعًا وتشكيلًا وتنويعًا وحكمًا وإلزامًا ومراجع ومستندات، فكما أنّ للمحاكم الشرعيّة مراجع ومستندات مرجعها كلّها إلى كتاب الله وسنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفّق وشرائع شتّى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيّين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك .. فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيّأة مكمّلة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكّامها بينهم بما يخالف حكم السنّة والكتاب من أحكام ذلك القانون وتلزمهم وتقرّهم عليه، وتحتّمه عليهم، فأيّ كفر فوق هذا الكفر، وأيّ مناقضة للشهادة بأنّ محمّدًا رسول الله بعد هذه المناقضة؟.
وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان: والعجب ممّن يحكّم غير تشريع الله ثمّ يدّعي الإسلام كما قال تعالى: {ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزِلَ من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالًا بعيدًا} ، وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وقال: {أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلًا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزّل من ربّك بالحقّ فلا تكوننّ من الممترين} . [3/ 441] .
ويقول رحمه الله إنّ متّبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه الله أنّهم مشركون بالله [4/ 82 - 83] .
ويقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداءُ الإسلام السافرو العداوة هي في حقيقتها دينٌ آخر جعلوه دينًا للمسلمين بدلًا من دينهم النقيّ السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبّها وتقديسها والعصبيّة لها، حتّى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيرًا كلمات: تقديس القانون، قدسيّة القضاء، حَرَم المحكمة، وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصَفَ بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين. بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات الرجعيّة، الجمود، الكهنوت، شريعة الغاب [عمدة التفسير، 3/ 214] .
ويقول: إنّ الأمر في هذه القوانين الوضعيّة واضح وضوح الشمس، هي كفرٌ بواحٌ لا خفاء فيه ولا مداراة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤٌ لنفسه، وكلّ امرئ حسيب نفسه [السابق،4/ 174] .