الصفحة 6 من 9

وجميع هذه الألفاظ، قاضية وبكل صراحة ووضوح، أنه لا يحق لعبد مهما بلغ من العلم والديانة والتقى والورع، أن يكون مداخلا للطاغوت، فضلا عن أن يكون خادما له، إذ كيف يتصور ذلك مع تحقيق المنابذة، والسعي في المقاتلة والإعداد لذلك، والقيام بالاعتزال التام والبراءة المعلنة، بل كيف يتأتى ذلك مع تحقيق معنى الترك والاجتناب وعدم الركون؟!!.

لاشك أن هذا من أبطل الباطل، ومن أقبح أنواع السعي الحثيث في الجمع بين المتناقضات، فإن الإيمان لا يكون دائما إلا في حد في مقابلة الطاغوت على كل حال، فلا تقارب ولا ركون ولا مداخلة، بل هو الاعتزال والاجتناب، والحرب المعلنة، والتحدي إن أمكن ذلك، والبراءة من الطاغوت ومتعلقاته، فإنما هو الاجتناب للعابد والمعبود من دون الله تعالى، بكل ما تحمله هذه المعاني من الضرورات والإلزامات.

وقصص الأنبياء والصديقين واضحة المعالم في الكتاب والسنة، كلها دالة وقاضية بتقرير هذا المقام الكبير الخطير، فلا تجد نبيا، ولا رسولا، ولا صديقا، إلا وهو محقق لمعنى هذا الاجتناب، من خلال الاعتزال والترك، والبراءة والتحدي، والمحاربة إن أمكن ذلك، وغير ذلك من المعاني الكبار المتعلقة بهذا الأمر العظيم.

وإن أي مداخلة للطاغوت، أو محاولة لإيجاد قواسم مشتركة معه، وإن كانت بدعوى تقليل الباطل أو الظلم، يصب مباشرة في باب التلبيس في الدين، وعدم منابذة الطاغوت، فالحذر الحذر.

وإن من أعظم الأمور التي جرت إلى تثبيت الطاغوت وبقائه، مداخلته وتولي المناصب له، إذ أن الواجب على المسلمين السعي في إزالته، فلما داخلوه وركنوا إليه؛ مسهم العذاب، حيث رَقّت مسائل الشرع عندهم، بل تناسوا الطاغوت، بل وصاروا معذرين عنه؛ لأنهم والحالة هذه إنما يعذرون عن أنفسهم وواقعهم المر الذي يعيشونه، ترى ذلك على حالهم ومقالهم، فمن قائل: أتريدنا أن نعتزل المجتمع؟، وآخر يقول: نريد الإصلاح، ومن قائل: هذا ولي أمرنا وتجب طاعته!! الخ.

أما علم هؤلاء أن الطاغوت هو عبارة عن مؤسسات وكيانات يمرر من خلالها الطاغوت حكمه الجاهلي بدستوره الكفري؟!!. وهو بحاجة ماسة إلى من يُلَمِّعُ له حاله، ويروج له، وبدخول هؤلاء معه تم له ما يريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت