الصفحة 30 من 95

فلابد للباحث أولًا من البحث عن نص قبل استعمال القياس حتى لا يُصار إلى القياس إلا عند عدم النص. لذا فقياس قضية المأمون وجيشه على جيوش الحكومات الطاغوتية قياس فاسد غير صحيح، من وجوه عديدة، منها: خلوه من الأصل، وعدم إتحاد العلة.

والقول بكفر الحكومات التي تتبنى الكفر شريعة ونظامًا يحكم البلاد واعتبار تلك الدارالتي تعلوها شريعة الطاغوت دار كفر هو قول الجمهور كما مرّ سابقًا.

(قال الباحث: وهذا ما يدل عليه صنيع الإمام أحمد وغيره من الأئمة, فإنهم لم يكفروا المأمون ولا رجال حكومته, مع أنه شرع نظاما كفريا ظاهرا, وهو القول بخلق القرآن, فمع أن الإمام أحمد حكم على هذا القول بالكفر, ومع أن المأمون جعله نظاما في الدولة تلزم به دور تحفيظ القرآن والقضاة وامتحن عليه العلماء والناس, ولكن لم يكفره الإمام أحمد وعدد من الأئمة, ولم يحكم على جيوش المأمون في تلك المرحلة بأنها جيوش ردة وكفر, ولم يجعل دولته دولة كفر.

فلو كانت العبرة في الحكم على الحكومات بالكفر والإسلام بنظامها فقط لحكم على المأمون ومن معه من رجال دولته بالكفر)!

-وهذه شبهة متهافتة لأن المأمون كان يحكم بما أنزل الله خلاف حكام زماننا، فلا يصح القياس بتخلف العلة!

والمأمون وقع في بدعة لا تقتضي كفر صاحبها، إما لعدم اكتمال الشروط أو لوجود مانع، فليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، ففرق بين تكفير النوع وتكفير العين، وعدم التفريق أوقع الباحث في هذه الشبهة، واتعجب من كونه استاذً للعقيدة ويقع بمثل هذه الشبه، فأي عقيدة سيعلمها للناس إذا فسدت عقيدته!

فالباحث لم يفرق كما قلنا بين كفر النوع وكفر العين، وكفّر الباحث المأمون بمجرد فعله، دون النظر في الشروط والموانع التي نظر اليها السلف في هذه المسألة، وقوله لم يقل به أحد من سلف الأمة، وليس للكاتب إثارة من علم في قوله هذا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت