(وقال الباحث: مع أنه شرع نظاما كفريا ظاهرا ... )
-المأمون لم يشرع نظامًا كفريًا لأن المسألة التي تبناها جزئية والنظام: يطلق على مجموعة عناصر متفاعلة فيما بينها؛ لأجل تحقيق هدف معين.
فلا يكون النّظام نظامًا في وجود شيء واحد أو أمرٍ فردي، بل لا بد من وجود أكثر من طرف حتى يتكون النّظام، فلم يوفق في اختيار اللفظ، والألفاظ قوالب للمعاني!
فقضية الإمام أحمد -رحمه الله - مع المأمون في حادثة جزئية معينة- بدعة خلق القرآن-، والمأمون لم يتخلَ عن حكم الشريعة ويحكم بحكم الطاغوت، كما هو حال حكامنا في الوقت الحاضر، بل دخلت عليه شبهة، كان يظن صوابها وامتحن الناس بها.
وتكلم بعض العلماء في تكفير جنس البدعة التي قالوا بها أما كفر أعيان القائلين بها، فأخضعوه لقواعد التكفير، ومراعاة اكتمال الشروط وانتفاء الموانع.
لذا لم يكفر الإمام أحمد المأمون إما لأن الشروط لم تكتمل بحقه أو كان يرى الإمام وجود مانع معتبر بحقه، وهذا حال الأئمة في حكمهم على أهل البدع من القدرية والرافضة وغيرهم.
وإلا للزم تكفير أهل البدع جميعًا، فيلزم من قول الباحث، تكفير كل طوائف المبتدعة، لمجرد بدعهم، وهذا لم يقل به أحد!
فلا يصح الإستشهاد بهذه الحادثة لتبرير حكم الحكام المعاصرين بالعلمانية والقوانين الوضعية والنظم الكفرية واعذارهم وجيوشهم قياسًا على مسألة خلق القرآن، لأنه قياس فاسد كما مرّ في أعلاه! فاستشهاد الباحث بقضية الإمام أحمد مع المأمون، استشهاد في غير محله، وإلا فإن دعواه تستبطن اتهام الإمام أحمد -وهذا لا يليق بذلك الجبل الأشم- بتسويغ النظم الكفرية والإلحادية وشرعنتها وعذر أصحابها، لأنه يرى أن المأمون كان يستحق كفرالعين، ولم يكفره الإمام بل كفر جنس البدعة والقائلين بها كفر نوع، لأنه جزم بكفر المأمون كفر عين، ورتب على ذلك عذر رعيته مع كفرهم كذلك لأنهم أجابوا المأمون في بدعته، وهذا نظر فاسد!