والنقطة الثانية: إذا وجدت الناس يتصارعون على الدنيا فليس هذا مبررًا لترك الجهاد وترك الشريعة، السلاطين يتصارعون ثم يحاسبهم الله -سبحانه وتعالى-، ولكن يجب أن تكون هناك شريعة قائمة أو نسعى إليها ويكون هناك جهاد قائم لدفع الصائل.
فلا يتعذّر أحد ويقول: كيف نجاهد وأمراء الجهاد مختلفون؟ وكيف نجاهد وقادة الأحزاب متنازعون؟! وهذه النقطة ذكرها الشيخ عبد الله عزام -رحمة الله عليه-، فصراع الأمراء على الدنيا وعدم وجود أمير مركزي ليس مبررًا لترك الجهاد ودفع الصائل.
فالمسلمين أدّوا الجهاد لوحدهم ثمّ أدّوه مع الأمراء، ثم خرج الصليبيون في زمن ببيبرس وسقطت إمارة عكّا، وبيبرس هذا عاصر الإمام النووي -رحمه الله-، ولم ينزل من حصانه لمدة 27 سنة قضّاها في الغزو والقتال، وكان من أكثر السلاطين المقاتلين في تاريخ الإسلام، حتى تجد آثاره في كل بلاد المسلمين حتى عندنا في قلعة حلب مبنى بناه الظاهر بيبرس.
فتجده على حصانه من القاهرة لحلب ومن حلب لعمان ومن عمان للكرك ومن الكرك لبيت المقدس؛ حتّى أزال الصليبيين ووحَّد البلاد على ملك المماليك، وسقطت إمارة عكا آخر إمارات الصليبيين في عهده بعد أن مكث الصليبيون 200 سنة من الاحتلال؛ قاومهم فيها المسلمون بلا دولة ثم بثلاث دول الزنكية والأيوبية والمملوكية.
وأكتفي بهذا فقط من التاريخ، وأريد فقط أن ألفت نظركم إلى قضيتين:
النقطة الأولى: هي معادلات الصراع ومن الذي تقاتل مع من؟
وقلت لكم كان هناك ثلاث مرجعيَّات؛ مرجعية سياسية ومرجعية دينية ومرجعية اجتماعية، فالمرجعية السياسية يمثلها السلطان المسلم، والدينية يمثلها أئمة المذاهب وأئمة الطرق، وفي كثير من الأحيان يكون أئمة المذاهب هم نفسهم أئمة الطرق، يعني كان صوفية العلماء ليسوا كصوفية الخزعبلات في هذا الزمان، حتى الصوفية نفسها تدرّجت. والمرجعية الثالثة هي المرجعية الاجتماعية ويمثلها شيوخ القبائل.
ففي هذه المرحلة: لم تكن المرجعية السياسية موجودة في البداية ثم وُجدت، والمرجعية الدينية والاجتماعية كانت موجودة، فقاتلت الأمة كلها بقيادة شيوخها الدينيين وشيوخ القبائل، ثم بقيادة السلاطين.