الصفحة 27 من 31

كانت السيارة تنطلق بنا في طريق ممهد لا يمله النظر في كل جزء من أجزائه، طريق سلكه قبلنا ملوك وعظماء وأنبياء منذ مئات السنين، وكانت السيارة كلما مرت بقافلة من القوافل نظر الأعراب إلى تلك الآلة الجهنمية التي تنبعث منها أصوات منفرة وروائح كريهة، في شيء من الحنق والغيظ.

فقد أصبح النقل اليوم في أكثر طرق الحجاز بالسيارات تمشيًا مع مقتضيات الحضارة الحديثة، مع أن البدو كانوا يربحون الشيء الكثير من نقل الحجاج بالإبل، وكانت النقود التي تدفع إليهم تبقى في حوزتهم، أما السيارة فإن ثمنها وأثمان وقودها وطقع تغييرها تتسرب الآن إلى خارج البلاد، فلا عجب إذا نظر إليها البدو في شيء من الخنق، ونقموا على من كانوا سببًا في إدخال تلك"الآلة الجهنمية"إلى الصحراء، وهم يقولون إن الإنسان يجب أن يركب في سبيل الحج أشق الأمور، فلا يخال نفسه ذاهبًا إلى سياحة هادئة، ويتذرع بوسائل الراحة والرفاهية مما يلقاه في السيارة، وبمقارنة الأبل بالسيارة نجد أن للأولى قوة احتمال على الجوع والعطش، بعكس السيارة التي تحتاج إلى تجديد الماء كل أربع ساعات، والوقود كلما نفذ، فضلًا عن جهل السائق بميكانيكيتها مما يسبب عطلها في الطريق، وترك الحجاج في العراء إلى أن تقدم سيارة أخرى.

أجل! لقد أزعجت السيارة ذلك الهدوء الشامل في الصحراء وأقضت مضاجع الأعراب، وحولت طمأنينتهم إلى نوع من الثورة على الحضارة الأوروبية وما تقدمه إليهم من كهرباء وطيارات ولاسلكي.

دخلت سيارتنا مكة في منتصف الليل تقريبًا فراعني أن أرى الناس في الشوارع، يغطون في نومهم ويحلمون بالجنة التي هم بها موعودون، لا سيما وأنهم أصبحوا على قاب قوسين منها. أهاج هذا المنظر خاطري فانبثق في نفسي شعور خفي وأنا استقبل تلك الأرض المقدسة التي وطئتها قدما الرسول وكانت خير منارة للحق، فهدت الناس إلى السبيل القويم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت