تبعد جدة عن مكة بمسافة 79 كيلو مترًا، وتشبه مبانيها الاستحكامات العسكرية، ودورها مرتفعة ارتفاعًا شاهقًا، وهي مكونة من جملة أدوار، بينما تتوج جدة قباب المساجد المقدسة، واسمة إياها بذلك الطابع الفريد الذي يميزها دون سائر مدن العالم.
ومن الغريب أن قناصل الدول والوزراء المفوضين يقيمون في جدة دون أن يتخطوها إلى داخل الأراضي المقدسة، ويستحضر رجال الهيئة السياسية طعامهم من الخارج، حتى الماء يجلبونه من مصر؛ لأن مياه جدة أجاجية غير صالحة للشرب.
تستقبل أسواق جدة عادة زبائن من كافة بقاع العالم، ولا يفتأ تجارها يستحضرون أنوعًا من السلع لا تناسب بينها مطلقًا، بل هي خليط من أذواق مختلفة ومشارب متباينة.
وبعد أن قضيت في ضيافة الأستاذ محمد ناصيف بضعة أيام صدرت الأوامر بالسماح لنا بالسفر إلى مكة. والواقع أن الفترة التي قضيتها في دار ذلك الشيخ الجليل دفعنتني إلى الإيمان الشديد بأن الفوارق الجنسية لا أثر لها مطلقًا في الإسلام، بعكس ما نشاهده في الحضارة الأوروبية من الإشادة بالقوميات والعصبيات وغيرها من المشكلات الاجتماعية التي تثيرها روح التعصب الأعمى.
وصادف أن رافقني في السيارة إلى مكة خمسة عشر زنجيًا من أهالي الصومال، وكنا في خلال الطريق لا ننقطع عن أن نهتف: لبيك اللهم لبيك! وهنا يجدر بي أن أنوه -للمرة الثانية- بعظمة الإسلام التي تتجلى في عدم التفرقة بين الكبير والصغير والرئيس والمرؤوس، فالكل سواسية؛ وقد شعرت بتلك الحقيقة وأنا بصحبة هؤلاء العبيد الفقراء، وقارنت بين ذلك وبين الفروق الشاسعة في أوروبا المواجهة نحو احتقار العناصر الضعيفة والتفرقية بين الألوان.