وبينما أنا غارق في غمار تلك الأفكار إذ اقترب مني فريق من الحجاج وبدأ التعارف بيننا بسرعة، كان بينهم طبيب هندي تصحبه كريمته، ولكن لسوء الحظ لم يكن هذا الطبيب يعرف من اللغة العربية حرفًا واحدًا، فاضطررنا أثناء السفر إلى التحدث باللغة الإنجليزية. وفي ذات يوم نظر إلى نسخة من القرآن الكريم في يدي، وهي الطبعة التي تولتها المطبعة الأميرية، فأعجب بها أيما إعجاب، وطلب مني أن أبتاع لحسابه ألف نسخة من هذه الطبعة ليبعث بها إلى الهند إذ لا توجد هناك مصاحف جميلة من هذا النوع.
وكان بالباخرة أيضًا حاج مراكشي، يشغل وظيفة قاض في فاس، وكان صبوح الوجه، وقورًا، أميل إلى التزام الصمت، لكنه ما كاد يسمعني أتحدث العربية مع أحد الحجاج الأتراك حتى أقبل إلينا واشترك في الحديث.
ولشد ما أعجبت بتبحر الرجل في العلوم الإسلامية والفقه، كما أن لباسه الشرقي الفضفاض كان يخلع عليه طابعًا من الرزانة والوقار، أما صاحبنا التركي فكان أحد ضباط الشرطة في دمشق، وبعد اعتزاله الخدمة أثر أن يبقى في سورية حيث تعلم اللغة العربية، وكان طيلة السفر يشكو مر الشكوى من الأنظمة الحديثة في تريكا وبالأخص ترجمة القرآن وتشويه هذه الترجمة، بحيث لا تؤدي المعاني المقصودة، ويظهر سخطه وتبرمه بالغازي الذي يحول دائمًا بين المسلمين والأتراك وبين أداء فريضة الحج، ويرهق كل من أراد الحج بالضرائب الفادحة.