من ربوع الغرب إلى بلاد العرب (2/ 4)
د. عبدالكريم جرمانوس
وفي أواخر فبراير زودني الأستاذ النجار بكتب توصية بمناسبة عزمي على أداء فريضة الحج؛ وكان له الفضل الأكبر في تقديمي إلى"بنك مصر"، ذلك الصرح المالي العظيم الذي يتناول من جملة مشروعاته الاقتصادية تنظيم سبل السفر إلى الأقطار الإسلامية المقدسة.
ومما يذكر -مع الأسف العميق- أن أعمال الحج كانت تقوم بها قبل ذلك شركات ملاحة أوروبية لا علم لها بما تتطلبه حاجات الحجاج المسلمين، فكانت بواخرها تحمل المشروبات الروحية، وتقدم إلى الركاب الطعام الأوروبي، ولا تكثرت بأن تهيء لهم الماء الكافي للوضوء، ولا إقامة مصلى يؤدون فيه الفرائض الشرعية.
أما"بنك مصر"فقد نظم للحج باخرتين كبيرتين تعدان من أكبر البواخر، وزودهما بكل ما يحتاج إليه الحجاج من وسائل الراحة والمأكل بحيث يشعر المسافر أنه لم يفارق بلاده، وقد كانت بغيتي أن استقل إحدى هاتين الباخرتين، لأنني عددت نفسي مصريًا بعد أن شربت من ماء النيل، ولكني لم أتمكن -واأسفاه- من نيل بغيتي، فإن قانون شركة ملاحة مصر يمنع من نقل الحجاج الأجانب على هذه البواخر، وعلى الرغم من المجهود الذي قمت به وتوسط الهلباوي بك لم أوفق، واضطررت إلى السفر على إحدى بواخر الشركة الخديوية.
وقامت بنا الباخرة باسم الله مجراها تشق برزخ السويس، فرحت أفكر في تاريخ ذلك المضيق الذي كان سببًا في فصل أفريقيًا عن آسيًا، بل كان فاصلًا بين حقبتين من أحقاب التاريخ؛ ومع أنه قرَّب مصر من أوروبا فقد جعل لمصر مركزًا سياسيًا ممتازًا بحيث أصبحت جزءًا من أوروبا.