موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} .
وهذه الآيات العزيزة فيها عبرة لأولي الألباب، فإن الله تعالى أنزلها بسبب أنه كان بالمدينة النبوية من أهل الذمة من كان له عز ومنعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أقوام من المسلمين عندهم ضعف يقين وإيمان، وفيهم منافقون يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر - مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين وأمثاله - وكانوا يخافون أن تكون للكفار دولة، فكانوا يوالونهم ويباطنونهم، قال الله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض} ؛ أي نفاق وضعف إيمان، {يسارعون فيهم} ؛ أي في معاونتهم، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} ، فقال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا} ؛ أي هؤلاء المنافقون الذين يوالون أهل الذمة، {على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} .
فقد عرف أهل الخبرة؛ أن أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم، حتى أخذ جماعة من المسلمين في بلاد التتار وسبي وغير ذلك؛ بمطالعة أهل الذمة لأهل دينهم.
ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم:
إلا عداوة من عاداك في الدين ... كل العداوات قد ترجى مودتها
ولهذا وغيره؛ منعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين، أو على مصلحة من يقويهم أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين، بل استعمال من هو دونهم في الكفاية؛ أنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم، والقليل من الحلال يبارك فيه، والحرام الكثير يذهب ويمحقه الله تعالى.
والله أعلم
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
مجموع الفتاوى: ج28/ص344 - 351