[الكاتب: يحيى بن علي الغامدي]
قد يثور - بل لقد حصل بالفعل - تساؤل من أحد دعاة الصحوة، مضمونه: (هل تنكرون فضل الدعوة؟ أنتم لا ترون إلا"الكلاشنكوف"سبيلًا للتغيير؟ لماذا إلغاء جهود الدعاة والمشايخ [1] ؟ أنتم بهذا تقللون من أهمية العلم الشرعي ... ) إلى غير هذا من جملة اتهاماتٍ باطلةٍ لا يقف منها عند العرض على الواقع شيء.
فنحن لا ننكر على جمهور دعاة الصحوة اهتمامهم المفرط بأمر الدعوة والمحاضرات والمخيمات!!، نعم نحن لا ننكر هذا كله بل ننكر أشد النكير على من ينكر الجهود التي تبذل في هذا الميدان [2] !!
ولكن في الوقت نفسه ننكر على من ينشغل بهذا ثم ينكر على المجاهدين جهادهم.
بعبارةٍ أخرى: لِمَ لا تتركون المجاهدين في سبيل الله على الثغور يقاتلون وتشتغلون أنتم بدعوتكم؟ ما وجه اعتراضاتكم المتكررة وصراخكم الدائم - عبر وسائل الإعلام - على أفعال المجاهدين وتصرفاتهم؟ أهو حرصٌ على مصلحة الأمة؟ أهي الغيرة على هذا الدين؟ لو كنتم فعلًا تغارون على الدين فدونكم المنكرات العظيمة في البلد فأنكروها، دونكم المحاكم الكفرية والبنوك الربوية وبيوت الدعارة، دونكم سرقة المال العام وتبديده على شهوات الحكام، دونكم ودونكم ودونكم ...
وفي هذا الصدد أسوق لكم هذا المقطع من مقالٍ جميل للأخ لويس عطية الله حفظه الله وإن كان الكلام موجهًا لهيعة [3] كبار العلماء لا لكم ولكنكم في الفترة الأخيرة استحققتم أن يوجه إلى بعضكم مثل هذا الكلام:
(ولا أبالغ إن قلت إنكم مسئولون مسئولية مباشرة عن كل فساد يحصل في أرض الحرمين فبسببكم: عُطّلت أحكام الإسلام الكبرى وأولها الحكم بما أنزل الله وهذه المحاكم التجارية تشهد عليكم بذلك وهذه صروح الربا أمام المسجد الحرام والمسجد النبوي تصيح بفضيحتكم على رؤس الأشهاد .. وبسببكم وسكوتكم تمكن العلمانيون من الإعلام ونشروا الفساد في الأمة من خلال الفضائيات وغيرها .. وبسببكم طُبّع الفساد وأصبح شيئا لا ينكره أحد ومن أنكره قذف به في غياهب السجون ..
وبسببكم مُكّن الكفار من بلاد الإسلام وأقدس بلاد الإسلام أرض الحرمين .. وبسببكم بُعثرت ثروات الأمة وتلاعب بمقدراتها فئة منافقة ظالمة مستبدة .. وبسببكم حوصر الدعاة والمجاهدون ورموا في السجون وضُيّق عليهم في نشاطاتهم الدعوية والإصلاحية التي لا ترضي آل سلول أو تثيرهم ..
وبسببكم انتشرت الفوضى في القضاء وفشا الظلم وأصبحت الحدود تقام على الضعفاء فقط ولا تقام على أحد من آل سلول، وهذا أحد أعمدة آل سلول يتبجح بأن آل سلول لا تقام عليهم الحدود على مرأى ومسمع منكم .. أم أن المهم أن تنكروا فقط - أي إنكار ولو كان خاطئًا - فلذلك صببتم سياط لومكم وتقريعكم على من نفروا للدفاع عنكم وعن نسائكم؟!).
طفيليو القرن الخامس عشر:
قال الشيخ أسامة: (إن هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر لا إيمان فيه) ، وقال بوش: (من ليس معنا فهو ضدنا) ، فاختر لنفسك أي الدار تختارُ؟!!
إن مشكلة المشايخ أنهم تأخروا في اتخاذ الموقف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولعل هذا لأن الحدث عظيمٌ جلل، وساهم بقوةٍ في إعادة الروح المعنوية للأمة وتعبئتها نفسيًا للمواجهة، فصدم الدعاة لأن هذا التغيير لم يكن عن طريقهم - وكأنهم قد وقعوا عهدًا مع الله أن لا ينصر الدين سوى مشيخة السعودية!! [4] - ثم لما اتخذوا موقفهم من الأحداث أتى مخنثًا خداجًا كريه المنظر والمخبر، فأطراف هذه الحرب هم الفئة الصادقة من شباب الأمة وشيبها وعلمائها ومفكريها تقابلهم فئة الكفر العالمي أمريكا ومن معها، وكلا الفريقين ينظر للآخر على أنه هو الند المناوئ، ويحسب له ألف حساب، فإذا أتى المشايخ واتخذوا موقفًا مخنثًا فسيحتقرهم الفريقان وسيشعر أنصارهم - أنصار المشيخة - والمدافعون عنهم بالحرج الشديد، لأنهم يعلمون أن الإدارة الأمريكية لم ولن تهتم بهؤلاء فهم أشبه بالصبية الذين يتجمهرون حول المضاربات في معارك الأحياء القديمة.
ويذكرني موقفهم بموقف الصحاف - بعد سقوط بغداد - عندما لم يُعلن اسمه ضمن قائمة الكوتشينة الشهيرة، أُشيع حينها أنه توسّل إلى القوات الأمريكية الغازية أن تعتقله لمدة يوم أو يومين على الأقل لكي يبدو بطلًا في عيون السذج من أبناء شعبه.
ولو أن هؤلاء المشايخ ركبوا الموجة واستغلوا هذه العواطف المتدفقة من جماهير الناس نحو الشيخ أسامة والمجاهدين وأيدوهم وأيدوا أفعالهم لكان خيرًا لهم فالإنجليز يقولون: راهن دائمًا على الجواد الرابح!! [5] ، ناهيك عن أن هذا هو عين الواجب عليهم من نصرة المجاهدين والوقوف معهم ضد الأعداء.
داء العلماء:
روي في بعض الإسرائيليات أن إبليس كان يحمل بضائع؛ فباع منها الكيد للنساء والحسد للعلماء ..
إن جيل الصحوة الحالي والذي نشأ على أيدي هؤلاء الدعاة لا يدرك - في الغالب - حقيقة مهمة وهي أن هؤلاء المشايخ تصدروا للأمة وأدوات التصدر لمّا تكتمل لديهم بعد.
فهم قد أتوا والناس في الجزيرة تعاني قصورًا شديدًا في فهم الأمور السياسية وتحليلها فضلًا عن المشاركة فيها، وأيضًا كان طلب العلم مقصورًا على فئة معينة، فلما أتى هؤلاء وفتحوا أعين الناس - الذين كانوا يعانون كبتًا فكريًا شديدًا وحصرًا لمنافذ التلقي على الحاكم وآلته الإعلامية - على بعض التجاوزات السياسية للحكومات العربية والإسلامية وبعض الخيانات للحكام وبعض أمور الخداع الدولي والتآمر العالمي على المسلمين: انبهر الناس بهم، واتخذوهم رؤوسًا للأمة يفتون في كل شؤونها فلا يرد عليهم أحد، ويشيرون فيتسابق الشباب لتلبية إشارتهم، وفي الحقيقة أن بعضهم - بل كثيرًا منهم - لا يستحق ربع هذه المنزلة، فبعضهم - بل أكثرهم - لم يؤُسس تأسيسًا علميًا صحيحًا يؤهله لكي يكون عالم أمة يرجع الناس إليه في شؤون دينهم ودنياهم، قصارى ما هنالك كتابان أو ثلاثة لسيد قطب ومثلها لأخيه - رحم الله الأول وحفظ الآخر - وبعض الكتب الفكرية، وبعض المختصرات الفقهية وانتهى الأمر ..
فلما استجدت مستجدات احتاجت الأمة فيها إلى فتاوى علمية راسخة من علماء لهم قدم صدق في الحق وعلمٌ راسخ أصيل، تلعثم هؤلاء وبدأ جهلهم يظهر ويطفوا على السطح، فهذا لا يعرف أبسط القواعد في المفاسد والمصالح - والتي مافتئ يتحجج بها - والسبب أن تخصصه في الجامعة؛ عقيدة. والآخر يتكلم بكلام عجيب ويحمل النصوص على غير محاملها والسبب أنه لم يدرس في كلية اللغة العربية بل درس في كلية الشريعة!
ونسي هؤلاء أو تناسوا أن هذه الأمور العظام التي تحل بالأمة والتي لو نزلت بساحة الفاروق لجمع لها أهل بدر لا يفتي فيها إلا عالمٌ متمكن من الكتاب والسنة ومن علومهما ومن علوم الآلة من لغةٍ وغيرها لكي يتمكن من فهم مقاصد الشريعة وإطلاقات الشارع وتنزيل ذلك على الواقع، لا أن يأتي من شدا شيئًا يسيرًا من بعض كتب أهل العلم ثم أعاد تجميعه وقدم عليه ورقات تدعى"رسالة دكتوراه"ويفتي في مثل هذه النوازل العظام.
ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره من كره، فهيأ لهذه الأمة علماء صدق لم تأخذهم في الله لومة لائم، علماء لم يرهبهم طغيان جاهلية أو استئساد عميل، فبينوا للأمة ما حاول غيرهم أن يكتمه، وصدعوا بكلمة الحق وأطلقوها هادرة موّارةً تجتاح الأباطيل.
عند ذلك انصرف الناس إلى هذه الطائفة الصادقة من أهل العلم بكل قلوبهم، وعطلوا مسامعهم عن سماع ما يقوله منظرو الصحوة الإسلامية وأعاروها أسود الحق الصادعين به، عند ذلك برز داءٌ قديم قِدَمَ إبليس، داءٌ ابتلى الله به المشايخ مرتين: مرةً عندما تسلط عليهم الجامية بسببٍ من الحسد ومرةً عندما تسلطوا هم على هؤلاء العلماء الصادعين بسبب مباشر من الحسد، ومن تأمل وجد ذلك ظاهرًا لذي عينين ...
فلقد كان هؤلاء الدعاة يحظون بشعبية هائلة لدى جميع الأوساط تقريبًا، وعلى مستوى العالم الإسلامي، فلما اتخذوا هذا الموقف المخزي من الجهاد والمجاهدين بدأت شعبيتهم تنحسر وبدأ الفئام من الناس يشككون في ثباتهم وصدقهم في موقفهم هذا، وبدأت الأضواء تسطع حول مشايخ آخرين - بدون اختيار منهم - وبدأ الناس يلتفون حولهم ويقدّرونهم ويُعلون شأنهم، فحزّ ذلك في أنفس هؤلاء المشايخ وصعب عليهم أن يروا هذه الفئة الصادقة تكتسحهم وتلقي بهم بعيدًا عن قلب وأذن وعقل المتلقي، وهنا حدث عند المشايخ نوعٌ من الغيرة الصبيانية انصبت على رؤوس علمائنا الأفاضل، وبدأ التنقص والتجريح لعلماء أجلاء بل أئمة نبلاء في العلم والجهاد، كالإمام حمود العقلا الشعيبي رحمه الله، والإمام أسامة بن لادن رضي الله عنه وثبته ونصره وأيّده. ولكن نقول لهؤلاء جميعًا مقالةَ الطائي:
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يُعرف طيب عرفِ العودِ
وإذا أراد الله نشرَ فضيلةٍ
طُويتْ أتاح لها لسانَ حسودِ
[عن مجلة صوت الجهاد > العدد الثامن]
1)وكأن المسألة أصبحت مفاخرة ... !
2)ولكننا نكر من وجه آخر الإنشغال بمثل هذه الأمور عن الفرض العيني: الجهاد وطرد الصليب ووقف عدوانه على أراضي المسلمين.
3)ليس خطأً مطبعيًا.
4)وليتهم نصروا، إذًا لأعذروا.