إجهاض التجربة، وهي على عتبة الولادة، من طرف العسكر قبل انتهاء الدورة الثانية من الانتخابات النيابية سنة 1992. أما حركة طالبان في أفغانستان فقد أقامت حكما إسلاميا وطبقت الشريعة فعلا في الفترة ما بين 1996 - 2001 حيث سقطت «الإمارة» بفعل الغزو الأمريكي المباشر للبلاد في أعقاب هجمات 11/ 9/2001. والطريف في هاتين الجماعتين أنهما لم تتحدثا عن تدرج ولا عن أعذار ولا عن ضغوط خارجية أو داخلية وما شابه. فقد كانت النية لديهما معقودة وواضحة لا لبس فيها إطلاقا.
لكن فيما يتعلق بحركة «حماس» فالمسألة مختلفة تماما. فالتصريحات التلفزية والفضائية والصحفية والبيانات والوثائق الرسمية كلها، قبل السيطرة على غزة (14/ 6/2007) وبعدها، تؤكد على أنه ما من نية لدى قادة «حماس» في تطبيق الشريعة. وبالتالي فليس للتيار الجهادي أية علاقة بمواقف «حماس» في هاتين المسألتين. فسواء حضرت السلفية أو لم تحضر فالأمر كائن في خيارات الحركة وليس في خيارات غيرها ولا في الظروف. وبالتالي فهي المسؤولة الأولى والأخيرة عن هذا الأمر بالذات قبل أن يسائلها أحد. ولو تابعنا التصريحات المنسوبة لقادة الحركة منذ إعلانها عن عزمها دخول الانتخابات التشريعية سنة 2005 (جرت في 26/ 1/2006) سنكتشف أنه حتى 16/ 11/2007 على الأقل (حتى الرقم التاسع أدناه) كانت تصريحات «حماس» موجهة للرد على اتهامات السلطة الفلسطينية لها بالسعي لتطبيق الشريعة. وخلال هذه الفترة من المرجح أن تعبير «الإمارة» أو «الدولة» الإسلامية لم يرِدْ، رسميا، على ألسنة قادة «حماس» إلا مرتين، وفي سياق الرد على السلطة. الأولى وردت على لسان د. موسى أبو مرزوق (التصريح السادس) والثانية على لسان د. محمود الزهار (التصريح التاسع) .
ولا شك أن الدهشة والغضب تَملّكا الجميع، بعد مذبحة مسجد ابن تيمية، لَمّا أعلنت «حماس» عن علاقة جماعة «جند أنصار الله» ، وخاصة الشيخ عبد اللطيف موسى إمام المسجد بحركة «فتح» أو بمحمد دحلان أو بالسلطة عموما، بينما الحقيقة أن الرجل ليس له علاقة لا بهذا ولا ذاك. لكن حين نتتبع تصريحات «حماس» في ردودها على اتهامات السلطة لها بالعمل على إقامة إمارة إسلامية والسعي لتطبيق الشريعة، ابتداء من التصريح الأول إلى التصريح التاسع على الأقل، سنلاحظ أن «حماس» أرادت أن تحقق ثلاثة أهداف كبرى دفعة واحدة من اتهاماتها:
• فمن جهة نجحت «حماس» في التخلص من خصومها بالقتل؛
• ومن جهة أخرى ردت على السلطة بالفعل لا بالقول، أملا في أن تُسقِط استراتيجياتها الإعلامية التي تجهد في إظهار «حماس» كساعية لتطبيق الشريعة أو إقامة إمارة