ومنهم من يرى إمامته، وطاعته في طاعة الله ورسوله فقط، ويرى الصبر، ويحرم الخروج عليه؛ كأحمد، كما هو مفصل في كتب الفقه، وهؤلاء إنما راعوا المصالح الكلية التي قد تتعطل بالخروج عليه كوحدة الأمة، وإقامة أمر الجهاد، وحماية البيضة من العدو، وإقامة مصالح الناس .... الخ.
فإذا اختلف الناس على إمامين - كما حدث في عهد ابن الزبير - فهو زمن فتنة، ولم يروا البيعة لواحد منهما، ولا السمع والطاعة لهما، حتى يكون الناس جماعة على إمام واحد، وهو مذهب الإمام أحمد فقد سئل - كما في أحكام أبي يعلى [ص 23] - عن حديث (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) ؟ فقال للسائل: (أتدري من ذاك؟ هو الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا الإمام) .
أما إذا كفر الإمام، وارتد عن الإسلام، فقد أجمعوا على سقوط إمامته وطاعته، بل ووجوب الخروج عليه وخلعه، إذ المقصود من الإمامة أصلا إقامة الدين، وسياسة الأمة، وإقامة الجهاد في سبيل الله، وتحكيم شرعه .... الخ.
وقد نقل هذا الإجماع كثير من العلماء كالقاضي عياض - كما في شرح النووي على مسلم [12/ 229] - وعبارته: (أجمع العلماء على أنه لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة - أي مكفرة - خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة منهم وجب عليهم القيام بخلع الكافر) ، وكذا نقل الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر كما في الفتح [3/ 123] .
فالقول بوجوب السمع والطاعة لمن جاء به العدو الكافر ونصبه في دار الإسلام يصطدم بالنصوص القطعية، والإجماع القطعي على وجوب الخروج على الإمام إذا طرأ عليه كفر، أو كان كافرا أصليا، للحديث الصحيح: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) ، أي فنابذوا الأمراء حينئذ بالسيف.
والمقصود أن السمع والطاعة - المجمع عليها بين الأئمة وسلف الأمة - إنما تكون للإمام المسلم العدل، كما أنه مجمع على أنه لا سمع ولا طاعة للكافر، أو لمن طرأ عليه الكفر، ولا خلاف بين الأمة في ذلك، وأما الإمام الجائر أو الفاسق فقد اختلف الأئمة، وسلف الأمة في السمع والطاعة له اختلافا كبيرا، وهذا كله في الإمام الذي يصدق عليه أنه ولي أمر ليس فوقه من هو أعلى منه سلطة وسيادة، وهو من يطلق عليه في الفقه الإمام العام أو الإمام الأعظم وهو الخليفة.