الصفحة 12 من 20

شرط له شروط وهو أن يثبت في شرعنا، وألا يعارض شرعنا، فالاحتجاج بهذه القصة باطل بالإجماع لكونه يخالف المجمع عليه في شرعنا، من تحريم تولي العدو الكافر ومظاهرته على المسلمين، بل والحكم بردة من يفعل ذلك كما سبق بيانه.

ثانيا: أن هذه القصة حدثت في أرض مصر في عهد ملك كافر من ملوك مصر، فليست داره دار إسلام أصلا، فقد يجوز للمسلم - قياسا عليها - أن يتولى ولاية في بلد غير إسلامي، بقصد إقامة العدل والحق والإنصاف بين الخلق كما فعل يوسف، ولا يقاس عليها بأي حال من الأحوال تولي الولاية للعدو الكافر الذي يحتل أرض المسلمين وديارهم، ويسفك دماءهم، ويسلب ثرواتهم، وينتهك أعراضهم، فمن جوز مثل هذه الولاية قياسا على ولاية يوسف على خزائن الأرض في مصر في ذلك العهد، فقد افترى بهتانا وإثما عظيما.

وحال هذا المفتي كحال من يجوز الربا في أرض الإسلام قياسا على قول من قال من الفقهاء بجواز الربا في دار الحرب! أو من يسقط إقامة الحدود في دار الإسلام قياسا على قول من قال من الفقهاء أنه لا تقام الحدود في أرض الحرب! ومثل هذه الأقيسة باطلة بالإجماع، إذ لدار الإسلام من الأحكام بالإجماع ما ليس لدار الكفر فلا يساوى بينهما فيها.

والمقصود أن هذا القياس على قصة يوسف هو من القياس فاسد الاعتبار على فرض جوازه لمعارضته النصوص القطعية على تحريم تولي الولاية للعدو الكافر في أرض الإسلام، إذ الواجب بالإجماع على المسلمين كافة دفعه عن أرض الإسلام وجهاده بكل وسيلة، وقد أجمعت الأمة على أن جهاده إذا دهم دار الإسلام يكون فرض عين، فكيف يسوغ موالاته، ونصرته، والدفع عنه، والقتال معه، والتمكين له؟!

ثالثا: أن هذه القصة استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية على جواز أن يتولى المسلم الصالح الولاية تحت حكم الإمام المسلم الجائر، إذا كان يستطيع الصالح دفع مفسدة أكبر، أو جلب مصلحة أكبر للمسلمين، إذ كان أكثر الفقهاء قديما يرون تحريم تولي الولايات لأئمة الجور من المسلمين حتى لا يتلبسوا بظلمهم، ولا يشتركوا بإثمهم، فاستدل شيخ الإسلام بقصة يوسف في جملة ما استدل به من النصوص والقواعد الشرعية، لكون هذا الاستدلال بالقصة لا يتعارض مع شرعنا، بل في شرعنا ما يدل على مشروعية العمل للإمام الجائر بقصد الإصلاح ورفع الظلم أو تخفيفه.

ولهذا لم يتخلف الأئمة ولا سلف الأمة عن الجهاد مع أئمة الجور من المسلمين، وقد كان الصحابة، وآل البيت، والعلماء، يغزون، ويجاهدون معهم لما في ذلك من إعزاز الدين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت