الصفحة 4 من 5

التاريخ: 2/ 1/1428 هـ

بحوث ودراسات

د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشراف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ..

فهذه مآخذ على كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير (لمؤلفه خالد بن علي العنبري، فالكتاب -كما هو ظاهر عنوانه- يتحدث عن مسائل خطيرة وقضايا كبيرة، وبعد الاطلاع والقراءة لذلك الكتاب وجدت أن المؤلف -هداه الله- قد وقع في زلات وعثرات، وتلبس كتابه بجمل كثيرة من المآخذ والشطحات، فأحببت أن أشير إلى هذه المآخذ إيضاحًا للحق، ورحمة بالخلق، والله تعالى أسأل أن يهدينا وسائر إخواننا المسلمين لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وهانحن نورد هذه المآخذ على النسق التالي:

1 -من أظهر المآخذ على الكتاب المذكور: تناقضه واضطرابه عند إيراده لأقوال العلماء فتراه يقرر مسألة محتجًا بكلام عالم من العلماء مع أن في نفس كلام هذا العالم ما ينقض دعوى العنبري ويبطل مراده.

أ- فالمذكور يدعي أن كفر العناد (ليس هو مجرد الامتناع عن العمل مع الإقرار به بل لا بد فيه بالإضافة إلى ذلك من البغض للحق والنفرة منه والاستكبار عليه) (ص/9) ، ثم يورد كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير دعواه، مع أن شيخ الإسلام قال -وكما نقله العنبري (ص/13) : (إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم) (الدرء 1/ 242) .

فشيخ الإسلام يقرر أن مجرد الامتناع عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم يعد كفرًا مخرجًا عن الملة، فما بال الكاتب يحتج بكلام ينقض دعواه؟!

فالامتناع عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كفر أكبر، كما قال تعالى: (( قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) ) (آل عمران: 32) .

يقول ابن كثير: (دلت الآية على أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي صلى الله عليه وسلم الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين) (تفسير ابن كثير 1/ 338) .

وقال محمد بن نصر المروزي -رحمه الله-: (لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد، ومثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان) (الفتاوى 7/ 334) .

وساق الخلال بسنده إلى الحميدي حيث قال: وأخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت أو يصلي مسند ظهره، مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذ كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين. (السنة للخلال 3/ 586،587) .

ب- ومثال ثان من تناقض المذكور: أنه قيد كفر الإعراض بشروط من عنده فقال: (ومنهم من يعرض عنه لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يصغي له، ولا يسمعه عمدًا أو استهتارًا واستكبارًا) (ص/11) ، فأحدث المذكور واشترط لهذا الكفر: الاستهتار والاستكبار مع أن كلام ابن القيم الذي احتج به لمذهبه، إنما هو حجة عليه ونقض لدعواه، فإن ابن القيم قال -وكما نقله العنبري-: (( وأما كفر الإعراض، فأن يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة ) ) (مدارج السالكين 1/ 338) ، فإن ابن القيم جعل مجرد الإعراض عن دين الله تعالى كفرًا دون شروط اشترطها العنبري! بل إن نصوص القرآن الكريم صريحة في تعليق حكم الكفر على مجرد الإعراض، كما قال تعالى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ) ) (النساء:61)

يقول شيخ الإسلام: (فبين سبحانه وتعالى أن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فالنفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره) (الصارم المسلول 33) .

يقول ابن القيم: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه .. ) (مختصر الصواعق المرسلة 2/ 353) .

كما أن ابن القيم قال في (الفوائد) : (إن المدعو إلى الإيمان إذا قال لا أصدق ولا أكذب، ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافرًا بمجرد الترك والإعراض) (ص/114) .

وقال سبحانه: (( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ) ) (النور: 47 - 48) .

قال شيخ الإسلام: (فنفي الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول .. ) (مجموع الفتاوى 7/ 142)

كما ذكر الشيخ الإمام محمد بن عبدا لوهاب رحمه الله الإعراض عن دين الله تعالى ضمن نواقض الإسلام مستدلًا بقوله تعالى: (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ) ) (السجدة: 22) .

ج- وتناقض الكاتب مرة ثالثة عندما أطلق هذه المقالة: (أن المسلم لا يكفر بقول أو فعل أو اعتقاد إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة) (ص/18) .

فمقالته السالفة تناقض ما أورده من كلام لابن قدامة رحمه الله حيث يقول أثناء كلامه عن تارك الصلاة: (فإن كان جاحدًا لوجوبها -أي الصلاة- نظر فيه، فإن كان جاهلًا به، وهو من يجهل ذلك كالحديث الإسلام، والناشئ ببادية عرِّف وجوبها وعلم ذلك، ولم يحكم بكفره لأنه معذور، فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، لم يعذر ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وحكم بكفره لأن أدلة الوجوب ظاهرة) (المغني 6/ 44 (.

فليس الجهل عذرًا مقبولًا لكل من ادعاه، كما أن إقامة الحجة ليس في كل مسألة مطلقًا، فهناك أمور لا يتوقف في كفر قائلها، ولذا يقول الشيخ محمد بن عبدا لوهاب: (ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس .. وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله) (الدرر السنية 8/ 244) .

وانظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/ 74) ، وفتاوى اللجنة الدائمة في السعودية (1/ 528)

د- وهاك أخي القارئ تناقضًا رابعًا للكاتب عندما قصر الاستحلال على التكذيب فقط (انظر ص/119 من الكتاب المذكور) ، واحتج لدعواه بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: (أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدوا تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا) (مجموع الفتاوى 7/ 70) .

فظاهر كلام شيخ الإسلام أن هؤلاء ليسوا مكذبين حيث يعلمون أنهم خالفوا دين الرسل .. فليس الاستحلال محصورًا في التكذيب فقط كما توهمه العنبري، فإن هذا الاستحلال يعد في حد ذاته كفرًا، وإن لم يكن هناك متابعة أو طاعة لأولئك الأرباب، ومناط الكفر في الآية: (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ) ) (التوبة:31) .

هو القبول والمتابعة في هذا التبديل، ويدل على ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه حيث قال: (مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله صلة الله عليه وسلم فسألته، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه) 1

[1] أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وحسنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود وصححه الألباني في إرواء الغليل

ويوضح ابن جرير معنى هذا الحديث بقوله: (فكان فعله -أي الذي تزوج امرأة أبيه- ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه به عن الله تعالى، وجحوده آية محكمة في تنزيله، فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه، لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام) (تهذيب الآثار 2/ 148) ، فصرح ابن جرير رحمه الله تعالى أن فعل هذا الرجل استحلال لما حرم الله، وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم أن الاستحلال ليس محصورًا باللسان فقط، فإن فعل ذلك الرجل استحلال أوجب كفره وقتله، وكذا الجحود ليس محصورًا على تكذيب ما فرض الله تعالى، بل يتناول الجحود -أيضًا- الامتناع عن الإقرار والالتزام كما بين ذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (7/ 530، 20/ 98) وانظر رسالة ظاهرة الإرجاء للحوالي (158 - 162)

2 -ادعى العنبري أن الكفر العملي لا يخرج من الملة إلا إذا دلَّ على الجحود والتكذيب، أو الاستخفاف والاستهانة والعناد وعدم الانقياد كالسجود للأصنام والاستهانة بالمصاحف كما في (ص/61) من كتابه، والجواب عن ذلك:

أ- أن هذه الأعمال المذكورة -السجود للأصنام والاستهانة بالمصاحف- كفر في حد ذاتها وأما تعليقها بما اشترطه العنبري فلا دليل على ذلك، فالسجود للأصنام شرك يناقض توحيد العبادة، وقد أجمع العلماء على أن من صرف عبادة لغير الله تعالى فهو كافر، دون تقييدات العنبري، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسل نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات، ولا الأنبياء، والصالحين .. كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله) (الرد على البكري ص/376) .

وجاء في الفتاوى البزازية: (والسجود لهؤلاء الجبابرة كفر .. ) (6/ 343) . ولما أورد الرملي -من فقهاء الشافعية- أنواع الردة .. كان مما قاله: (السجود لصنم أو شمس أو مخلوق آخر، لأنه أثبت لله شريكًا) (نهاية المحتاج 7/ 417) .

وقال القاضي عياض: (وكذلك نكفِّر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر .. كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار) (الشفا 2/ 1072)

وبالنظر إلى أقوال هؤلاء العلماء -من المذاهب الأربعة- يظهر أن السجود للصنم كفر دون تقييدات الكاتب وتكلفاته، وكذا الاستهانة بالمصحف كفر في حد ذاته كما هو مبسوط في كتب الاعتقاد، وكتب الفقه في باب حكم المرتد، ومن ذلك ما ذكره الدردير -من علماء المالكية- في موجبات الردة حيث قال: (إلقاء مصحف أو بعضه .. ومثل إلقائه تركه بمكان قذر أو تلطيخه به .. ) (الشرح الصغير 6/ 145) ، وعدَّ البهوتي من نواقض الإسلام ما يأتي: (أو وجد منه امتهان القرآن .. أو إسقاط حرمته) (كشاف القناع 6/ 137) .

ب- مقالة العنبري بأن الكفر العملي لا يخرج من الملة إلا إذا دل على الجحود .. تشبه مقالة غلاة المرجئة من أصحاب أبي معاذ التومني القائل: (من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له) (انظر مجموع الفتاوى 7/ 547) فما الفرق بين مقالة التومني المرجئ وبين مقالة العنبري؟ ‍‍‍

ج- أن العنبري نقل تقسيم ابن القيم -رحمه الله- كفر العمل إلى قسمين، فقسم يضاد الإيمان، وآخر لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان -انظر الكتاب المذكور (ص/50) ، وكتاب الصلاة لابن القيم (ص/55) .

فالإمام ابن القيم رحمه الله جعل السجود للصنم والاستهانة بالمصحف كفرًا عمليًا مخرجًا من الملة دون شروط العنبري .. أفلا وسع العنبري أن يلزم فهم ابن القيم دون هذه التجاوزات؟

د- أساء العنبري في نقله لكلام ابن القيم، فحذف كلامًا طويلًا ومهمًا في بيان الكفر العملي دون أي إشارة تفيد الحذف أو التصرف ‍فأين التجرد والأمانة في النقل؟ وسنورد كلام ابن القيم في الكفر الذي قد يخرج من الملة دون ما اشترطه العنبري: (وقد سمي الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، وكافر بما ترك العمل به، فقال تعالى:(( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) (البقرة: 84 - 85) .

فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقًا، وأخرجوهم من ديارهم فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوا منه) (كتاب الصلاة ص/55 - 56 تحقيق زعيتر) .

3 -تجاهل العنبري الفرق بين من فعل المعصية مشتهيًا -كحال عصاة الموحدين- وبين من فعلها إباءً وتكبرًا، فأراد أن يجعل حالهما واحدًا، وجعل القسمة ثنائية -على حد دعواه- فإما أن يفعل المعصية مستحلًا لها فهذا هو الكافر، وإما أن يفعلها غير مستحل لها فهذا العاصي، إضافة إلى ما سبق التنبيه عليه من حصره الاستحلال في التكذيب باللسان، ومما يدل على تجاهله، وقلة فهمه أنه نقل كلام شيخ الإسلام دون أن يلتزم به، حيث فرق شيخ الإسلام بين من فعل المعصية مستحلًا فهذا كافر لوقوعه فيما يضاد قول القلب (التصديق) ، وبين من فعل المعصية إباءًا واستكبارًا وإن اعتقد حرمتها فهذا كافر لانتفاء عمل القلب (الانقياد والخضوع) ، وبين من فعل المعصية مشتهيًا فهذا من عصاة الموحدين، وإليك كلام شيخ الإسلام في توضيح ذلك:(إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرِّمه أو أنه حرَّمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا من عصى مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل الإسلام والجماعة وإنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.

وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها بغير فعل، والاستحلال اعتقاد أنها حلال له، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها، وتارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو لخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه بأن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا واتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأُبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام .. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن لا يفعله، لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة، فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل لكن لم يكمل العمل) (الصارم المسلول3/ 971،972) .

بل إن هذه المسألة مقررة وثابتة بالإجماع كما حكاه إسحاق بن راهويه رحمه الله حيث يقول: (قد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل، أو سب رسوله، أو دفع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيًا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر) (التمهيد 4/ 226) .

4 -خلط العنبري بين التكفير المطلق وتكفير المعين -كما في (ص/105 - 122) -، فلم يفرق بينهما، مع أن أهل السنة يفرقون بين تكفير المطلق وتكفير المعين، ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه -الذي تلبس بالكفر- فيقال: من قال كذا، أو فعل كذا فهو كافر، ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره مطلقًا حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، وإزاء هذا الخلط العجيب من العنبري وقع في تأويل متكلف حيث زعم أن قوله تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) (النساء: 65) .

أن المراد به بقوله سبحانه (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ) أي لا يستكملون الإيمان!! وهذه عاقبة خلطه بين التكفير المطلق وتكفير المعين، فإن الآية نفت الإيمان حتى يحكّم الرسول صلى الله عليه وسلم كما وضح ذلك ابن تيمية في الصارم (2/ 80، 3/ 984) ، ومجموع الفتاوى (28/ 471) ، وابن كثير في تفسيره (3/ 211) ، وابن القيم في التبيان في أقسام القرآن (270) ، وفتح القدير للشوكاني (1/ 484) .

وليس هذا كلام سيد قطب وحده كما ادعاه العنبري! وأما الأنصاري الذي اعترض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فهذا شخص معين لم يحكم عليه بالردة إما لتخلف شرط أو وجود مانع والله أعلم (انظر الصارم المسلول 3/ 986) .

وخطأ آخر وقع فيه العنبري بسبب عدم تفريقه بين تكفير المطلق وتكفير المعين، عندما استعظم العنبري أمرًا عاديًا وتعجب من غير عجب، حيث أورد العنبري ما نقله الأستاذ محمد شاكر الشريف في كتابه (إن الله هو الحكم) من كلام شيخ الإسلام في المنهاج (5/ 130) ، حيث حذف الشريف عبارة (وإلا كانوا جهالًا) وكأن العنبري قد عثر على صيد ثمين! مع أن الخطب في ذلك يسير، فإن ما حذفه الشريف لا يخل بكلام شيخ الإسلام، إنما هو إشارة إلى أن الجهل عارض من عوارض الأهلية يجب اعتباره والأخذ به، وقد سبق الشريف علماء أجلاء لم يذكروا هذه العبارة كالشيخ حمد بن عتيق في رسالة النجاة والفكاك (ضمن مجموعة التوحيد 413) والشيخ سليمان بن سحمان في الدرر السنية (10/ 504) .

فلم هذا التهويل دون مبرر علمي؟ والمصيبة أن هذه الزيادة تنقض دعواه، وتعكر مشتهاه، حيث قال شيخ الإسلام: (فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة) (المنهاج 5/ 131)

5 -وقع العنبري في الكثير مما اتهم به الآخرون وتلبس بجملة مآخذ ألصقها بمخالفيه، فكان ممن يقولون ما لا يفعلون، ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم .. ومن ذلك ما يلي:

أ- قال العنبري: (لا يجوز لأحد كائنًا من كان أن يقيد ما أطلق الشرع الشريف إلا بدليل وبينة من كتاب أو سنة) (ص/125) ، ولا شك أن العنبري يندرج ضمن هذه الكائنات، ويدخل دخولًا أوليًا كما في إطلاقه لهذا الكلام السالف فما باله قيد -وبلا دليل- ما أطلقه الشارع في الكفر العملي وكفر الإعراض -كما سبق إيراده-؟.

ب- اتهم العنبري مخالفيه بالحذف لكلام أهل العلم، وبتر النصوص .. مع أنه حذف كلام ابن القيم في مسألة الكفر العملي -كما مر بنا- وحذف بعض كلام شيخ الإسلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله -كما سبق ذكره آنفًا- بل حذف كلامًا مهمًا لإسماعيل الأسعردي في مسألة التحاكم إلى غير شرع الله تعالى (قارن ما نقله في ص/70 بما جاء في رسالة الأسعردي ضمن الرسائل المنيرية 1/ 173) .

ج- كما تصرف العنبري ببعض ما كتبه عبدالعزيز آل عبداللطيف في كتابه (حكم الله وما ينافيه) ، وحذف بعضه فأين الأمانة والعدل؟.

حيث قال العنبري: (وإذا قيل عدم تحكيم الشريعة من غير ما جحود واستحلال -كفر إباء وردّ وامتناع- وإن كان مصدقًا بها! كما يقول أحدهم) (ص/94) .

وبالرجوع إلى الكتاب المذكور -حكم الله وما ينافيه- نجد أن العبارة على النحو التالي: (ولا شك أن تحكيم الشريعة انقياد وخضوع لدين الله تعالى، وإذا كان كذلك، فإن عدم تحكيم هذه الشريعة كفر إباء ورد وامتناع، وإن كان مصدقًا بها، فالكفر لا يختص بالتكذيب فحسب كما زعمت المرجئة) (ص/29) .

د- اتهم العنبري الآخرين بتحريف الكلم، ولي أقوال أهل العلم .. مع أنه وقع في شر منه حيث حرَّف معنى قوله تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ ) ) (الآية) إلى نفي كمال الإيمان! -كما سبق إيراده- وادعى أن معنى قول امرأة ثابت بن قيس (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أن المراد كفران العشير، وأراد العنبري بهذا التأويل أن يبطل ما حرره ابن تيمية في الاقتضاء من التفريق بين الكفر المعرَّف باللام، وبين كفر منكر في الإثبات! مع أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال في معنى تلك العبارة: (كأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه) (9/ 400) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت