الصفحة 3 من 5

6 -لم يقف العنبري عند حد التصرف في كلام أهل العلم وليه: بل تجاوزه إلى التقول عليهم فنسب إليهم ما لم يقولوه، وهاك مثالًا ظاهرًا على هذا التقول: قال العنبري: (وقد حدثني فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين -حفظه الله- وهو أحد كبار تلامذته - أن له كلامًا آخر يذهب فيه إلى التفصيل الذي حكيناه عن السلف) [ص/131] .

وقد سئل الشيخ عبدالله بن جبرين عن دعوى العنبري، فلم يوافق العنبري فيما توهمه! وهذا واضح جلي من خلال نص السؤال والفتوى المرفقة بهذا الموضوع.

وإذا كان العنبري في كتابه المذكور تقول على الشيخ ابن جبرين ما لم يقله كما هو ظاهر فتوى الشيخ المنقولة .. فإن العنبري قد زاد تقولًا وتخرصًا عندما كتب مقاله في مجلة الأصالة - العدد السادس ص15 - ونسب إلى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله ما لم يقله.

يقول العنبري في مقالته في مقالته التي عزاها إلى الشيخ محمد بن إبراهيم: (أما إذا حكم بغير ما أنزل الله غير جاحد أو مستحل وحمله على ذلك الهوى والشهوة والجهل فهو ظالم فاسق مرتكب لمعصية أكبر من الكبائر كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها كفرًا) .

وأما النقل الصحيح لكلام الشيخ محمد بن إبراهيم دون تحريف العنبري وتبديله: (وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج عن الملة فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل: {ومن لم يحكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية(كفر دون كفر) وقوله أيضًا: (ليس بالكفر الذي تذهبون) .. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها كفرًا) أ. هـ [من رسالة تحكيم القوانين ص/7] ، وانظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم [12/ 291] .

بل ماذا يفعل العنبري وأضرابه بكلام الشيخ محمد بن إبراهيم حيث يقول: (وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل) أ. هـ [من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/ 280] .

7 -نلحظ من خلال قراءة كتاب العنبري: أن المذكور كما لو كان هو الوسيط على عقيدة السلف وصاحب (المرجعية) لأهل السنة! وأن ما يقرره من قناعات وآراء هو الحق الذي لا ريب فيه، فما أكثر عبارته في (القطع) و (الجزم) بما يفهمه ويعجبه! ومثال ذلك أنه لما ساق كلام العلماء في مسألة التحاكم إلى غير شرع الله وأنه لا يكفر إلا إذا عاند أو جحد معلومًا من الدين بالضرورة، فماذا بعد الحق إلا الضلال [ص/74] ثم كررها في موضع آخر [ص/80] وانظر [ص/97] .

ومن قواطع العنبري: (ليس بين السلف والخلف من خلل في تفسيرها - يعني قوله تعالى: {ومن يحكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ) [ص/100] ، وجزم في موضع ثالث قائلًا: (فضلًا عن أني لم أجد من المفسرين من تجاسر على القول بهذا الحكم العام الذي وصل إليه سيد - عفا الله عنه!) [ص/104] .

ومقصود العنبري أنه لم يقل أحد بظاهر الآية وانتفاء الإيمان بأصله وقد سبق أن أشرنا إلى ما حرره شيخ الإسلام ابن القيم وابن كثير في معنى الآية وأنه على ظاهرها، فما أعجب جرأة العنبري وتجاسره.

ومن أشنع تجاسر العنبري وقطعه دعواه أن قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون} مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، ثم قال: (لا فرق البتة بين هذه النصوص فالمراد منها جميعًا نفي كمال الإيمان .. ) [ص/106] .

فانظر أخي القارئ إلى ما فعله العنبري .. حيث سوى بين المختلفات بجزم وقطع دون دليل، ويسلك العنبري مسلكًا آخر في الوصاية على مذهب السلف، عندما شرح قول شيخ الإسلام: (وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة) ، فقال الشارح العنبري -أو الوصي-: (المقصود بالالتزام الإذعان لأحكام الله ورسوله وعدم ردها وأن لم يعمل به كما سيتضح في كلام الشيخ السعدي الآتي) ثم ساق كلام السعدي فجمع المذكور بين جملة إساءات، حيث زعم أن مقصود شيخ الإسلام بأن تارك جنس العمل ليس كافرًا .. ثم أساء مرة أخرى عندما نسب ذلك التوضيح إلى السعدي، مع أن الشيخ السعدي لم يقل ما توهمه العنبري، فيا للعجب من جرأة هذا الشخص وسوء فهمه!

8 -من أهم الملحوظات على العنبري وكتابه: دفاعه عن حكام هذا الزمان والتكلف المقيت من أجلهم، وتبرير طغيانهم وفجورهم.

ونذكر العنبري وأشباهه بقوله تعالى: {هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا} [النساء:109] .

ومن مجادلات العنبري عن طواغيت هذا العصر قوله: فحرام على أهل الورع والدين أن يكفروا حاكمًا بغير ما أنزل رب العالمين مجانبين هذه الحقائق العلمية .. [ص/62] ، ثم ذكر حال النجاشي رضي الله عنه وأنه لم يمكن أن يحكم بين أهل بلده بحكم القرآن .. وكأن العنبري أراد بذلك المثال -ومن خلال سياق كلامه- أن يبرر حكم الطواغيت وأنهم عاجزون عن تحكيم شرع الله في بلاد المسلمين، وأن حالهم كحال النجاشي!!

ثم يدعي العنبري أن الحاكم بغير الشريعة لا يجرؤ على أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله! بخلاف المبتدع فهو أشد ظلمًا وأكثر جرمًا من الحاكم بالقوانين الوضعية .. [انظر ص/95] .

فلا أدري أعمي العنبري -أو تعامى- عن نظام بلاده مثلًا عندما جوز أوكار الربا والزنا والخمر ونحوها من المحرمات القطعية، وفرض تلك المحرمات الظاهرة، وقام على رعايتها وحمايتها؟ أنسي العنبري - أو تناسى - أن أولئك الحكام هم حماة الأضرحة والمزارات وسائر البدع الكفرية، وهم الذين سوغوا الأحزاب الكفرية وأضفوا عليها الصبغة القانونية المعتبرة!!

ورحم الله رقبة بن مصقلة عندما قال: (وأما المرجئة فعلى دين الملوك، أخرجه ابن بطة في الإبانة الصغرى) [ص/163] .

9 -مع هذه الرحمة والإشفاق على طواغيت هذا الزمان: كان العنبري غليظًا على مخالفيه من دعاة أهل السنة وعلمائهم، فنعوذ بالله من مسلك الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فوصف العنبري مخالفيه بأنهم أغمار، ليس عندهم شجاعة ولا جراءة! [انظر ص/35] ، وحكم العنبري على ما حرره الشريف -في كتابه- إن الله هو الحكم في مسألة (كفر دون كفر) بأنه من (الكذب الواضح) أو (التضليل المقصود أو الجهل الفاضح المزري) [ص/126] .

كما اتهم العنبري مخالفيه بأنهم سلكوا سبيل الخوارج الحرورية، مع أن ما حرره هؤلاء الأفاضل هو مذهب السلف الصالح، فليسوا خوارج كما وصمهم العنبري، وليسوا أغمارًا جبناء، فإن الجبن ألصق بالمرجئة من غيرهم، فالدكتور صلاح الصاوي صاحب مؤلفات تأصيلية متميزة، وله جهود مشكورة في الذب عن عقيدة السلف الصالح، وكذا الأستاذ محمد شاكر الشريف له مشاركاته المتميزة في نصرة مذهب أهل السنة، واما ما كتبه د. عبدالعزيز آل عبداللطيف في"نواقض الإيمان القولية والعملية"فهي رسالة علمية جيدة، قد ناقشها وأجازها علماء أجلاء منهم الشيخ عبدالرحمن البراك، وكذا رسالة ضوابط التكفير للشيخ عبدالله القرني، فإنها رسالة متينة قد ناقشها وقرظها د. سفر الحوالي.

10 -ابتلى صاحبنا -العنبري- بمدح نفسه والثناء على جهده: حيث قال عن كتابه: (ولا أحسب أن في الكتب المعاصرة من نسخ على منواله في التجرد والموضوعية، والوقوف مع النصوص القرآنية والحديثية بفهم سلف الأمة .. ) [ص/6] .

وأثنى على نفسه معرضًا فقال: (ذلك أن مسائل التكفير من أعظم مسائل الدين وأكثرها دقة لا يتمكن منها إلا الأكابر من أهل العلم الواسع، والفهم الثاقب) [ص/15] .

ثم ذكر المسائل ووصف كتابه بأنه (الكتاب الماتع المتين) [ص/84] .

ويصل اعتداد العنبري بنفسه إلى أن يقول: (إنه -أي ابن كثير- يذهب إلى ما نذهب إليه) [ص/137] فابن كثير ذهب إلى رأي العنبري، كما أن مقالته -المنشورة في مجلة الأصالة- العدد السادس وفي 5 صفحات وكانت تحت عنوان"فصل الخطاب فيمن لم يحكم بالسنة والكتاب".

هذا ما تيسر تسطيره من ملحوظات على الكتاب المذكور ولعل المؤلف -هداه الله تعالى- ومن سلك مسلكه أن تنشرح صدورهم إلى قبول هذه الملاحظات.

وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع للباقيات الصالحات.

والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت