فالفرق هنا في أن هذا الكتاب - ومثله من كتب الجرح والتعديل - إنما هي موضوعة"أصالة"لتنفنيد أحوال الرواة، كما نصّ على ذلك الذهبيّ نفسه، وأن الحديث عن خلل في العقيدة عند أحد الرجال إنما هو عرض من الأعراض ليس من أصل موضوع الكتاب.
وهذا يعني أنّ إتخاذ عنوان هذا العلم ليكون على وجه"الأصالة"موضوعا لكتب بذاتها تحمل هذا العنوان الجليل ليبرر الهجوم على العلماء ممن ليسوا من أهل الرواية - وإن أخطئوا في بعض أقوالهم - هو من البدع ومما يخالف سنن العلماء ومن التمويه المغرض.
و"الميزان"قد تعرض فيه صاحبه لأكثر من أحدى عشر ألفا من الرجال، لم يتعرض فيه لغير المحدثين والرواة، إلا لشخصية أو اثنتين! فهل يبنى على هذا علم هو أولى بأن يسمى"علم سبّ الرجال"!
ونحن نعلم أن فهم مثل هذه الدقيقة هو مما يعزّ على أمثال المدخلي ومتبعيه، ولكننا نبين أن من طريقة أهل البدع تقديم العام على الخاص والمجمل على المبين والمطلق على المقيد.
فكما ذكرنا، قدم المدخلي معنى فرعيا وأمرا شاذا عن قاعدة الكتاب واتخذ ذلك ذريعة لجعله أمرا أصليا وأطلق عليه اسم الجرح والتعديل.
هذا هو التحريف بعينه، هذا هو التزييف بعينه، وهذا ما يؤيد تسميتنا لهم"السلفيون المزيفون" [1] .
ويموه هؤلاء المزيفون على الجهلة من الشباب؛ أن من له معرفة بالحديث كان فقيها بطريق اللزوم، وشتّان بينهما، فإن يحي بن معين لم يكن فقيها ولا كان عليّ بن المديني ولا يحي بن سعيد القطان ولا أبي زرعة ولا غيرهم من أعلام الرجال في علم الحديث، لا أمثال هؤلاء المصطنِعين للعلم المتطفّلين على موائد الحديث.
وإنما كان الأوزاعي فقيها وأبي حنيفة فقيها والشافعي فقيها والليث بن سعد فقيها، ولم يكن من هؤلاء من يُعدّ من علماء الحديث، إلا أحمد بن حنبل الذي جمع بين الحسنيين، الفقه والحديث.
وفقه الحديث هو أمر ثالث يستدعى النظر الفقهي - كما بيّن ذلك أمثال الصنعاني في"سبل السلام"والشوكاني في"نيل الأوطار"- وما أبعد هؤلاء المدّعين عن رتبة هؤلاء المحققين.
(1) راجع كتابنا بالإنجليزية"The Counterfeit Salafis".