الصفحة 21 من 33

-أحمد شاكر:

يعلّق أحمد شاكر في"عمدة التفسير": (أقول: أفيجوز - مع هذا - في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أروربه الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاؤون، لا يبالى واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟

إن المسلمين لم يُبْلوَا بهذا قط - فيما نعلم من تاريخهم - إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمة الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يعلموه لأبنائهم، فما أسرع ما زال أثره.

أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ بن كثير - في القرن الثامن - لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان، ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر، إلا في فرق واحد، أشرنا اليه آنفا؛ أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت.

في هذ القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيئ بذاك"الياسق"الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجلعون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا الياسق العصري، ويحقرون من خالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الإستمساك بدينهم وشريعتهم"رجعيا"و"جامدا" [1] إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة.

بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى"ياسقهم الجديد"وبالهوينا واللين تارة وبالمكر والخديعة تارة، وبما ملكت ايديهم من السلطات تارات، يصرحون - ولا يستحون - بأنهم يعملون على فصل الدين عن الدولة.

أفيجوز إذن لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعنى التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به عالما كان الأب أو جاهلا؟!

(1) وبالمصطلحات الحديثة؛"إرهابي"و"أصولي"، وما أشبه ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت