الصفحة 10 من 33

قال الشاطبيّ رحمة الله عليه في حديثه عن الإجتهاد: (أولا: أن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدا له ... كما لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير - ونحن نخالف في هذه الجزئية؛ التقصير، كما بيّن عبد الله دراز في تحقيقه - ولا أن يشنّع عليه بها ولا ينتقص من أجلها ... وعن بن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك - أي في النبيذ المختلف فيه - فقلت لهم؛ تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي بالرخصة فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه، فاحتجوا فما جاءوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه، قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة؛ يا أحمق عد أن ابن مسعود لو كان ههنا جالسا فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى، فقال قائلهم؛ يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي، وسمى عدة معهما، كانوا يشربون الحرام؟! فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحد أن يحتج بها؟! فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة، قالوا؛ كانوا خيارا، قال: فقلت؛ فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد؟ فقالوا؛ حرام، فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالا فماتوا وهم يأكلون الحرام فبقوا وانقطعت حجتهم، هذا ما حكى، والحق ما قال ابن المبارك، فإن الله تعالى يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ... الآية} ) [الموافقات: ج4/ص170] .

كذلك فيقرر الشاطبي أنّ هذا العمل - تجريح الخصوم وإسقاط هيئاتهم - هو مما يجرّ الى الفوضى ويناقض الشرع.

فيقول في معرض حديثه عن أصول الترجيح بين المفتين: (المسألة الثالثة: حيث يتعين الترجيح فله طريقان، أحدهما عام، والآخر خاص، فأما العام؛ فهو المذكور في كتب الأصول، إلا أن فيه موضعا يجب أن يتأمل ويحترز منه، وذلك أن كثيرا من الناس تجاوزوا الترجيح بالوجوه الخالصة إلى الترجيح ببعض الطعن على المذاهب المرجوحة عندهم أو على أهلها القائلين بها ... فلنذكر هنا أمورا يجب التنبه لها ... ) .

قال: ( ... والثاني؛ أن الطعن في مساق الترجيح يبين العناد من أهل المذهب المطعون عليه ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه لأن الذي غض من جانبه مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر محاسنه ...

والثالث؛ أن هذا الترجيح مغر بانتصاب المخالف للترجيح بالمثل أيضا، فبينا نحن نتتبع المحاسن صرنا نتتبع القبائح، فإن النفوس مجبولة على الانتصار لأنفسها ومذاهبها وسائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت