الصفحة 11 من 33

ما يتعلق بها، فمن غض من جانب صاحبه غض صاحبه من جانبه، فكأن المرجح لمذهبه على هذا الوجه غاض من جانب مذهبه، فإنه تسبب في ذلك، كما في الحديث:"إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه"، قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟! قال:"يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه"، فهذا من ذلك، وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع، كقوله: {لا تقولوا راعنا} ، وقوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ... الآية} ، وأشباه ذلك.

والرابع؛ أن هذا العمل مورث للتدابر والتقاطع بين أرباب المذاهب، وربما نشأ الصغير منهم على ذلك، حتى يرسخ في قلوب أهل المذاهب بغض من خالفهم، فيتفرقوا شيعا، وقد نهى الله تعالى عن ذلك، وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ... الآية} ، وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ، وقد مر تقرير هذا المعنى قبل، فكل ما أدى إلى هذا ممنوع، فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع ... فإن المدح إذا أدى إلى ذم الغير كان مجحفا والعوائد شاهدة بذلك.

والخامس؛ أن الطعن والتقبيح في مساق الرد أو الترجيح ربما أدى إلى التغالي والانحراف في المذاهب زائدا إلى ما تقدم، فيكون ذلك سبب إثارة الأحقاد الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة ... وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية، وقد جاء في حديث الذي لطم وجه اليهودي القائل:"والذي اصطفى موسى على البشر"، أن النبي غضب وقال:"لا تفضلوا بين الأنبياء"، أو"لا تفضلوني على موسى"، مع أن النبي جاء بالتفضيل أيضا، فذكر المازري في تأويله عن بعض شيوخه؛ أنه يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلا يؤدي إلى نقص بعضهم، قال: وقد خرج الحديث على سبب وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون عليه الصلاة والسلام خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص موسى، فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق، قال عياض: وقد يحتمل أن يقول هذا وإن علم بفضله عليهم وأعلم به أمته، لكن نهاه عن الخوض فيه والمجادلة به إذ قد يكون ذلك ذريعة إلى ذكر ما لا يحب منهم عند الجدال، أو ما يحدث في النفس لهم بحكم الضجر والمراء، فكان نهيه عن المماراة في ذلك كما نهى عنه في القرآن وغير ذلك، هذا ما قال، وهو حق، فيجب أن يعمل به فيما بين العلماء فإنهم ورثة الأنبياء.

فصل: وأما إذا وقع الترجيح بذكر الفضائل والخواص والمزايا الظاهرة التي يشهد بها الكافة؛ فلا حرج فيه، بل هو مما لا بد منه في هذه المواطن - أعني عند الحاجة إليه - وأصله من الكتاب قول الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ... الآية} ، فبين أصل التفضيل ثم ذكر بعض الخواص والمزايا المخصوص بها بعض الرسل، وقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا} ، وفى الحديث من هذا كثير، لما سئل من أكرم الناس؟ فقال:"أتقاهم"، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال:"فيوسف نبي الله، ابن نبي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت