ظلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عند الصحابة وسلف الأمة رضي الله عنهم محل التسليم والقبول، من غير تفريق بين المتواتر والآحاد، وبين ما يتعلق بأمور المعتقد وما يتعلق بالأحكام العملية، فكانوا يعملون بالحديث الصحيح سواء كثُر رواته أم قلُّوا.
وكان الشرط الوحيد في قبول الحديث والعمل به: هو صحته، ولم يكونوا يطلبون أمرًا زائدًا على الصحة، حتى ظهرت البدع في الاعتقاد، وتأثر البعض بالفلسفة وعلم الكلام، فأعملوا عقولهم وآراءهم وقدموها على الوحي، وعلى كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، متظاهرين في ذلك بتقديس الوحيين، وتعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به.
ولما كانت نصوص الكتاب والسنة صريحة في إبطال ما أحدثوه، احتالوا في ردها حتى تسلم لهم عقيدتهم، فأولوا نصوص القرآن وصرفوها عن ظاهرها، ثم جاؤوا إلى السنة فمنعوا الاستدلال بها في العقيدة، بدعوى أنها أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن.
وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة عامة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من عصيانه، شاملة للعقيدة والأحكام، فمن أين لهم استثناء العقيدة وتخصيصها؟! قال تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36] ، فقوله"أمرًا"عام يشمل كل أمر سواء أكان في العقيدة أم الأحكام، وقال سبحانه: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] .
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أفرادًا من الصحابة إلى مختلف البلاد ليعلموا الناس دينهم، فأرسل عليًاومعاذًاوأبا موسىلى اليمن، وكان أول شيء أمرهم بتبليغه للناس أحكام العقيدة والتوحيد، فقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الحديث المتفق عليه: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل) ، وفي رواية لمسلم: (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ... الحديث) ، وهذا من الأدلة الظاهرة على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد، وإلا لما اكتفى عليه الصلاة والسلام بإرسال معاذ وحده ليعلم الناس أمور الاعتقاد.
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك، يدعونهم إلى الإسلام ويبلغونهم رسالات الله، وكانوا آحادًا.
وانعقد الإجماع على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقائد والأحكام على السواء.
ثم إن التفريق بين العقائد والأحكام هو في حقيقته تفريق بين أمرين متلازمين، لأن العقيدة تتضمن حكمًا، والحكم يتضمن عقيدة.
كما أن القول بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، هو قول في حد ذاته عقيدة، فما هو الدليل على صحته؟! فإما أن يأتوا بالدليل القاطع المتواتر على صحة هذا القول، وإلا فهم متناقضون.
وأما الزعم بأن أخبار الآحاد تفيد الظن، وقد جاء ذم اتباع الظن في كتاب الله:
فجوابه: أن الظن الذي عابه الله على المشركين بقوله: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116] ، وبقوله: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم: 23] ، هو الظن المبني على اتباع الهوى،
وهذا لا يؤخذ به في الأحكام فكيف يؤخذ به في العقائد، وأما الظن الراجح المبني على أدلة وقرائن، فهو معمول به.
وخلاصة القول:
فإن أدلة الكتاب والسنة، وعمل الصحابة وسلف الأمة، تدل دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة، سواء أكان في الأمور الاعتقادية أم الأمور العملية، والتفريق بينهما، بدعة لا يعرفها السلف، وفي ذلك ما يكفى ويغني طالب الحق والهدى.
فعلى العبد أن يسلِّم لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة، وألا يتحكم في ردها أو مخالفتها بالحجج الواهية، والله جل وعلا يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 24] .
[عن الشبكة الإسلامية]