الصفحة 72 من 96

شكر نعمة الله نعمة زائدة أخرى من الله تحتاج إلى شكر آخر .. كما يؤثر ذلك عن أبيه داود ..

تدبرت الآيات فهداني الله إلى فائده لطيفة عزيزة أراها متسقة مع السياق، وقد أوصى علماء التفسير حمل معنى الآيات التي تكون حمالة أوجه على أحسن الوجوه لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ويقول: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ .. ) وقد وجدت كثير من علماء التفسير ركزوا في هذه الآية على فصاحة النملة وعلى تعدد أنواع البيان في ندائها حتى قال السيوطي في (معترك الأقران في إعجاز القرآن) أنها (جمعت أحد عشر جنسا من الكلام) ثم أخد في تعدادها .. وذكر أنها أدت بذلك خمسة حقوق (حق الله، وحق الرسول، وحقها هي، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان) أهـ.

وهذا قرأته لاحقا كما قرأت تركيز بعضهم على معجزات سليمان من تكليم الطير ومعرفة لغات الدواب وتسخير الجان له ونحو ذلك، وانشغل آخرون بما لا فائدة فيه من البحث عن إسم هذه النملة واسم قبيلتها ووصفها ومكان الوادي وغيره ..

ولما كان كلّ يبحث عما يُهمُّه ويغلب عليع همُّه فينظر غالبا من جهته، فيذكره ذلك ويريه من الآيات ما قد يغفل عنه غيره .. فقد فهمت من تبسم سليمان عليه السلام وضحكه وشكره نعمة الله عليه في هذا المقام أنه كان تحديدًا هنا لإعذار النملة له ولجنده إن هم حطموا من لا يدخل مساكنه من النمل بقولها (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) فلهذا الإعذار والإعتذار معنى عظيما عند هذا النبي الصالح وقائد المجاهدين الموحدين آنذاك ما يستحق الشكر لله، إذ فيه مدح وثناء وتزكيه له ولجيشه حتى من الدواب .. فإنه يعني أن سمعة هذا القائد وسمعة جيشه عند كل أحد أنه جيش صالح غير مفسد في الأرض، فهو لا يمكن بأيّ حال أن يقتل من لا يستحق القتل من أي ذي روح ولو كان دويبة كالنملة؛ اللهم إلا أن يكون ذلك خطأ (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أما قتل العمد لغير المقاتل ولا الحربي ولا الصائل أو الضار المؤذي ونحوه؛ فليس قتله من هدي الجيش المسلم ولا المجاهدين .. وهذا الهدي والتوفيق إلى التزامه وعدم الخروج عن نهجه توفيق ونعمة من الله عظيمة على المجاهدين تستحق أن يشكروا الله وأن يشكرهم الناس بل والدواب عليها فيذكروهم بخير ويدافعون عنهم ويحسنون الظن بسيرتهم وجهادهم كما أن مخالفتها والإنحراف عنها والتفريط بها، مخالفة ومفسدة يستحق صاحبها الذم لأجلها، لأنها مخالفة متعدية لا تضر بالبلاد والعباد وحسب، بل تضر بالدين والجهاد وتصد عنه ..

تذكرت أحوال الصحابة وسيرتهم في جهادهم وفتوحاتهم للبلاد ومعاملتهم للعباد ورحمتهم للضعفاء الكبار منهم والصغار، وكيف انبعثوا هداه ولم ينبعثوا جباة ولا عتاة، وكيف كانوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت