الصفحة 70 من 96

وليالي السجن بل ونهاراته هادئة ما داموا قد انتهوا من التحقيق معك وينتظرون موعد شفائك من آثار التعذيب ليحولوك إلى محاكمهم، فلا تكاد تسمع في السجن صوتا إلا صوت البساطير ذهابا وإيابا تحرس ممرات الزنازن وتمنع صدور أي صوت ولو بالصلاة أو بتلاوة القرآن .. وبين الفينة والفينة تطل وجوههم المتجهمة بتصنع من طاقة الباب لتطمئن على ماذا؟! على وجود السجين في زنزانته!!

ربما .. وعندما كانوا يمنعوننا من النوم لأيام من أجل الإدلاء باعترافات بعد أن يمل المحققون من الضرب والتعذيب والعبث في الأجساد، كانت البساطير لاتذهب ولا تجيء في الممرات، بل غالبًا تتسمَر واقفة بإخلاص قبالة طاقة الممنوع من النوم ترصده كي لا يغافلها بجلسة خاطفة تريح جسده المنهك أو باتكاءة مختلسة على الحائط تخفف من أوجاعه المتراكمة، فقد كان من يُظفر به متكئًا على الحائط أو متورطا بالجلوس على الأرض يتفنن في معاقبته بأساليب شتى منها مضاعفة مدة تسهيرة وحرمانه من الجلوس .. هذا غير تسليتهم بالسجين ليقطعوا الملل أو السهر، فتارة يخرج السجين من الزنزانة ويؤمر بسكب طشت ماء أو اكثر في مكان قصي من ممر الزنازن ويوضع الطشت في آخر الممر ثم يؤمر بإرجاع الماء المسكوب ولملمته عن الأرض وإعادته إلى الطشت بواسطة اسفنجة صغيرة جدًا يشفط بها قطرات من الماء المسكوب على الأرض ثم يسير بها إلى آخر الممر ليعصرها في الطشت وهكذا حتي يرجع الماء المسكوب كاملا ويجفف الارض بهذه الاسفنجة ..

وهذا بطبيعة الحال لا يندرج عندهم تحت تصنيف التعذيب، فالتعذيب شيء آخر، وإنما هذا نوع من التسلية لهم والإزعاج لك كي تبقى متيقظا وسط الزنزانه لا تغفوا واقفا وسط الزنزانة لا تتكئ على جدارها ..

وهذه الحال قد تمتد إلى أيام بحسب رغبة المحقق في الضغط عليك، فأحيانا يأمر بحرمانك من النوم والجلوس فترة إجازته أو عطلة عيد مثلا ليباشر التحقيق معك بعد إنتهاء عطلته وبداية الدوام وأنت في غاية الأنهاك ليراودك بين الإعتراف والنوم، وأحيانا يمتد هذا المنع إلى اسبوع أو اسبوعين متواصلين .. مع أنه بعد اليوم الرابع تقريبا يكفي الأمر إذ يكون السجين في حكم السكران أو من في عقله خلل .. فترى بعضنا لايدري كم صلى وربما صلى إلى غير القبلة، وربما غفا وهو ساجد فجاؤوا يصيحون عليه ليوقظوه ويعاقبوه، وكان بعضنا يرى النقاط السوداء على البلاط كأنها حشرات أو صراصير تتحرك وأحيانا يرى في الزنزانة أقزاما أو يرى سقفها مشقوقا مشروعا على السماء والنجوم إلى غير ذلك من الهلوسات التي مرَ بها كل من قارب الأسبوع بلا نوم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت