بسم الله الرحمن الرحيم
زنزانتي خير من صاحبت في زمن ... الظالمون به عبدوا كأوثان
في زنزانتي الإنفرادية يحلو تدبر كتاب الله تعالى، فأعيش مع القرآن أغوص على درره، وأجتني جناءه، وأتفيأ ظلاله الوارفة .. وأحيانا تخلو الزنزانه من أي كتاب آخر كنوع من العقوبة وهذا الغالب، وأما القلم والأوراق فلا سبيل لها إلا نادرا جدًا بموافقة المحقق أو خفية عندما تسنح فرصة من الفرص التي قد تتهيأ لسجين قديم عنده بعض الخبرات .. فليس ثم غالبا إلا كتاب الله لم يمنعوه عني إلا مرة واحدة ثم مالبثوا أن أعادوه عاجلا ربما ليحاولوا إقناعي بإسلامهم الذي ننفيه وتنفيه حربهم على الدين والشريعة بتآمرهم على أهلها وموالاتهم للكفار وتحكيمهم للقوانين الوضعية الوضيعة ومظاهرتهم للموساد والسي آي إيه على الجهاد والمجاهدين إلى آخر قائمة مكفراتهم الظاهرة التي يعرفها كل من يعرف توحيده.
ولا شك أن حرمانهم لي من الكتب والصحف والأوراق والقلم مع معرفتهم بنهمي للقراءة وحبي للكتابة هو نقمة منهم عليَ وعقوبة لعزلي عن العالم وحرماني من التواصل مع الدنيا ومحاولة منهم كما حاصروا جسدي بقيودهم وزنزاناتهم أن يحَجموا أفكاري ويحصروها في مترين مغلقين من هذا العالم الواسع الشاسع، ولقد كنت أخرج من الزنزانة بعد شهور وربما سنوات فأفاجأ بأحداث وتطورات، ودول تغيَرت وطواغيت هلكوا وآخرون تولوا .. وأولاد ولدوا، وصغار كبروا وأقارب أو أصدقاء توفوا ومعالم في البلاد تغييرت ومخترعات جديدة ظهرت أحتاج إلى تفهمها .. إلى غير ذلك من الأمور والأحداث التى أفاجأ بها ..
ولكن هذه النقمة تنقلب بتوفيق الله إلى نعمة، وتغدوا بتقدير الله من جنس قوله تعالى (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) وفي الآية الأخرى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) فقد خلَاك مولاك من كل شاغل وحبسك مع كتابه وفرغك لتأمله، وقيدت لتتدبره بالسلاسل بعد انفلاتك في العالم الخارجي وصخبه، وتشعبات قراءاتك وتفرعات كتاباتك، وطوارق مشاغلك؛ ها أنت الآن لا شغل يشغلك ولا عمل ولا تكليف .. دنياك قد حصرت واختصرت في مترين من الجغرافيا تقريبا، والتاريخ قد توقف عندك، وحيل بينك وبين ما تشتهي وتحب من الدنيا فلا شغل لك شئت أم أبيت إلا العكوف على كتاب الله تعالى .. فكن من عباد الله اختيارا، كما أنك من عبيده اضطرار .. وأقبل على كتابه برغبة منك وحضور قلب وإقبال فتفتح عليك الفتوح الربانية وتفيض عليك البركات القرآنية فتنقلب المحنة إلى منحة ويصير المكروه محبوبا ..