أحيانا إلى التردد على المنزل للإطمئنان على الأهل وتفقد حاجات الصغار ولأستعلم عن أخبار المداهمات عرضني للخطر، وفي إحدى المرات اشتريت خبزا للأهل وحضرت ليلا لأزورهم وعندما اقتربت من بيتي في العتمة وكان المطر يرشرش خفيفا إذ بي أفاجأ بكشافات سياراتهم تضاء في وجهي فجأة وهم كامنين قرب البيت، فما وجدت خلاصا إلا أن أقتحم الاتجاه الذي لا يتوقعوه لأنطلق عكسهم في الوادي بعيدا عن البيت حيث لا توجد شوارع سالكة يمكن أن تتبعني عليها سياراتهم، فتبعوني حتى توقفوا عند طرف الوادي يوجهون كشافاتهم يمنة ويسرة فتخلصت من أكياس الخبز البيضاء التي تظهر لأضوائهم وكانت دافئة قريبة العهد من الفرن، وتذكرت صغاري وأنا أرمي بها بين الأعشاب، ثم انطلقت تارة أعدوا وتارة أجلس خلف صخرة فإذا مرّ ضوء سياراتهم عني انطلقت وهكذا واقتحمت في العتمة مزرعة عوت عليّ كلابها فصرت بين مطاردة بعضها ونبح بعضها، ثم قفزت من سياج المزرعة حتى بلغت الشارع الرئيسي بعيدا عن بيتي فأشرت إلى أول سيارة واجهتني لتقلني بعيدا ..
ومضيت على هذه الحال مطاردا غير آمن لا أقدر على الوصول إلى بيتي إلا بشق الأنفس، وإن دخلت اضطرب الأهل خوفا عليّ وتستعجلني والدتي للخروج مخافة قدومهم ليعتقلوني وكانت تقول: لا بارك الله في دولة يأمن فيها اليهود والنصارى وكل الملل ولا يأمن فيها المسلم .. إلى أن قدر الله اعتقالي في إحدى زياراتي لبيتي حيث حوصر البيت فجأة وأنا بداخله وتم اعتقال ثلاثة من إخوتي معي وساقوني وهم يضربونني بأعقاب بنادقهم وهم في غاية الفرحة كأنما قد حرروا القدس أو ثأروا لمذبحة الخليل .. هذا وأبنائي الصغار ينظرون من النوافذ مذهولين وأنا أصيح لأرفع معنوياتهم لا تخافوهم هؤلاء حشرات هؤلاء ذباب، ثم قيدوني إلى الخلف وصاح أحدهم بي أن لا أنطق بكلمة وإلا سبّ ربي فقلت له على الفور .. (إن سببت ربي سببت ربك) .. فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم متعجبين من شيخ يقول هذا، فبادرت موضحا .. (ربي الذي في السماء وربكم الذي في الحُمَّر) [1] ..
كانت هذه هي البداية، ثم دارت أيام الإعتقال والتعذيب بكافة أشكاله لم يسلم منه من إخواننا إلا القليل، ثم مسرحية المحاكمة، إلى أن حُكمنا خمس عشرة سنة، كل ذلك لمحاولة التفكير بقتال اليهود، واخترعوا للقضية اسما وجمع لها معتقلون كثر بعضهم مكث ثلاث سنين إلى أن نال البراءة .. كل ذلك إرضاء لليهود!!
مع أن اتفاقية السلام لم تكن قد أبرمت بعد فكان اعتقالنا وسجننا عربونا بين يدي اتفاقيتهم!! على كل فاسترضاء اليهود عندهم قديم معروف ومن يهن يسهل الهوان عليه ..
(1) الحمّر منطقة قصر ملكهم.