ولكن حكامنا يصرون على أن يلدغوا من نفس الجحر مرات ومرات، وكأنما يريدون أن ينفوا عن أنفسهم صفة الإيمان التي بين المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه لا يصح لأهلها إن نكبوا من وجه أن يعودوا إليه! وذلك أن هؤلاء الحكام يبادرون في كل مرة بتقديم التنازلات لأعداء الأمة ثم يلدغون من جحر التشدد الصهيوني، ومع ذلك يصرون على تقديم تلك التنازلات.
والعجيب أن بعضهم يرى في تلك التنازلات إحراجًا لقادة العدو وتعريةً لهم أمام الرأي العام العالمي، وكأنهم لا يعلمون أن دولة اليهود في فلسطين مستثناة من قواعد اللعبة الدولية، وأن هناك ما يزيد على مئة قرار صادرة عن الأمم المتحدة لم تلتزم بها دولة العدو الصهيوني، ومع ذلك لم تسعَ أمريكا حارسة الشرعية الدولية حتى إلى تأنيبها فضلًا عن أن تجيش الجيوش الجرارة ضدها كما تفعل ببلاد المسلمين.
ولقد رأينا مؤخرًا موقف اليهود من اللجنة الدولية المشكلة لتقصي الحقائق حول ما حدث في مخيم جنين، حيث رفضوها وهم مطمئنون إلى أنه لن يتمكن أحد من مجرد الإنكار عليهم، بل رضخت الشرعية الدولية لهم، وأعلن كوفي عنان حل تلك اللجنة، وأصبحت في خبر كان، ومع هذا لا يزال حكامنا متمسكون بالشرعية الأمريكية المسماة زورًا وبهتانًا بـ"الشرعية الدولية"!
إن من العجائب - والعجائب جمة، كما قال أبو الطيب - أن يظل حكامنا مصرين على السلام مع عدو لا يريد السلام، ويثقون في أناس يشهد تاريخهم على أنهم لا عهد لهم ولا أمان، ويريدون تطبيع العلاقات مع قوم لا طبيعة لهم إلا القتل وسفك الدماء، ومن أولئك الحكام من يعلن أنه لا يمكنه الوثوق بشارون، وكأن هناك فارقًا بين شارون وبيريز وباراك.
لقد راهن دعاة التطبيع في بلادنا على رابين؛ فكان هو صاحب سياسة تكسير العظام في الانتفاضة الأولى، ثم راهنوا على بيريز؛ فكان هو صاحب مذبحة قانا، ثم راهنوا على باراك؛ فكان هو الذي أرسل ثلاثة آلاف جندي صهيوني يحمون السفاح شارون عند تدنيسه لساحة المسجد الأقصى المبارك.
إن الذي يجب أن يعيه كل مسلم؛ أنه لا فارق بين شارون ونتينياهو وبيريز وبوش، فكلهم أعداء لأمة الإسلام، ومن ينتظر من أحدهم خيرًا فهو مكلفٌ للأشياء ضد طباعها.
وقد زعموا في أساطير الأولين؛ أن ضفدعًا أرادت ذات مرة أن تعبر نهرًا فرأتها عقرب وهي تهم بالسباحة، فتوسلت إليها أن تحملها على ظهرها فتعبر معها النهر، فقالت لها الضفدع: ولكنك أيتها العقرب غادرة لئيمة وأخشى إنْ حملتك أن تلدغيني ونحن في عرض النهر، قالت العقرب: لا يمكنني أن أفعل ذلك لأني إن لدغتك فسوف نغرق معًا، وهل أنا جاهلة حتى أهلك نفسي، واقتنعت الضفدع بكلام العقرب، وبأن مرحلة جديدة من تطبيع العلاقات بينهما قد بدأت، فحملتها وسبحت بها في الماء، وفي وسط النهر حدث ما لم