للحيثيات والمبررات الآتية:
بعد المقدمات الضرورية السابقة نقول بأن الاتفاقيات الثلاث التي عقدت بين اليهود وبعض الساسة العرب هي اتفاقيات ومعاهدات باطلة شرعا لايجوز للمسلم اعتقاد صحتها، ولا تنفيذ شيء منها إلا مكرها مجبرا فيما يجوز فيه الإجبار والإكراه، وأما ما لا يجوز فيه الإجبار والإكراه فلا يجوز الالتزام به، كقتل المسلم فإنه لا إجبار فيه لأن نفس القاتل الذي يدعي الإجبار ليست بأنفس من نفس المقتول.
الأدلة على هذا الحكم ما يلي:
1)في هذه المعاهدات .. وضع الحرب إلى الأبد بين المسلمين واليهود وهذا شرط باطل:
لا يجوز للمسلم أن يشارط الكفار يهودا كانوا أو غيرهم على وضع الحرب إلى الأبد بين المسلمين وبينهم، فإن القتال فريضة قائمة إلى يوم القيامة، ولا يجوز إلغاءه من التشريع، ومن اعتقد عدم وجود الجهاد، أو سعى إلى إلغاءه أو إبطاله فهو كافر بالله سبحانه وتعالى كفرا مخرجا من ملة الإسلام، ومكذبا بمعلوم من الدين ضرورة. فالقتال فريضة ماضية إلى يوم القيامة وقد قامت أدلة القرآن والسنة وإجماع الأمة على ذلك في كل عصورها، ولكن يجوز وضع الحرب فقط دون تحديد سنوات.
أما النص على أن الحرب انتهت بين المسلمين والكفار، وأن هذا عهد للسلام الدائم والشامل فهو إبطال لفريضة الجهاد وإقرار للكافر على كفره، ولا يجوز هذا لمسلم أبدا، إلا أن يكفر بالله ورسالاته.
2)المعاهدات نصت على إزالة أسباب العداوة والبغضاء وإزالة كل نصوص التشريع التي تبقي هذه العداوة ..
وهذا الشرط باطل لأنه يخالف أصل الإيمان الذي يقوم على التفريق بين المسلم والكافر وأن الكافر عدو لله أبدا حتى يسلم ويتخلى عن كفره، وقد حرم الله على المؤمنين موالاة الكفار ومودتهم حتى لو كانوا آباء أو أبناء أو أخوة أو عشيرة أو أزواجكما قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله و باليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22] .
وهذه المعاهدات نصت على وجوب إزالة العداوة وأسبابها مطلقا، بل حرمت الاستشهاد بآيات القرآن وأحاديث السنة التي تؤصل هذه العداوة، وأمرت يحذف أحداث التاريخ التي تذكر تاريخ العداوة بين اليهود والمسلمين، وذلك لسلخ المسلمين عن دينهم وتاريخهم وتراثهم.
3)هذه المعاهدات أقرت اليهود على ما أخذوه من أرض الإسلام عنوة وغدرا، وهذا لا يجوز.
هذه المعاهدات أقرت اليهود على ما اقتطعوه من أرض الإسلام في فلسطين وهي أرض فتحها المسلمون ودخل أهلها في الإسلام. وأصبحت بذلك من أرض الإسلام التي لا يجوز للمسلمين التخلي عنها. بل يجب على القتال لاستردادها من اليهود، ولا شك أن إقرار اليهود عليها وإعطائهم عهدا وصكا بملكيتها، وأنهم قد أصبحوا أصحابها وملاكها والمتصرفين عليها، وهذا خيانة لله ورسوله ولهذه الأمة، وتفريط فيما ملك الله المسلمين إياه، وما بوأهم من ملك الأرض، وأكبر من ذلك التفريط في المسجد الأقصى الذي رده الله إلى أمة الإسلام أعلانا بانتقال إمامة الدين، وقيادة الناس إلى أمة الإسلام.
وإقرار اليهود على ملك أرض فلسطين باطل، لأن الكافر لا يجوز إقراره على ملكه الذي نشأ فيه إلا إقرارا مؤقتا، فكيف يعطى ما كان بأيدي المسلمين ملكا مؤبدا؟!
إن هذا قرين الكفر والخروج من دين الله، ومثل هذا لا يجوز لمسلم اعتقاده قط، بل يجب الاعتقاد أن اليهود مغتصبون ما ليس لهم، وأن ما تحت أيديهم من أرض فلسطين ليس ملكا لهم. بل أخذوه بطريق الغصب، والغفلة من المسلمين، ويجب رفع أيديهم القذرة عن هذه الأرض إلى الأيدي الطاهرة: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون* إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين} [الأنبياء: 105 - 106] .
4)هذه المعاهدات أبرمت عن غير مشورة من المسلمين وكل عقد يهم المسلمين إذا أبرم عن غير رضا ومشورة فهو عقد باطل.
الصلح بين اليهود والمسلمين، وإعطاء اليهود أرض فلسطين أو بعضها ملكا لهم، هذه قضية تهم كل مسلم لأنها ترتبط بعقيدته وإيمانه، وبالتشريع الذي أنزل الله وأكرم كل مسلم به، وهذه المعاهدات عقدت بواسطة حكام متفرقين كل يزعم أنه يمثل بعضا من المسلمين في إقليم من أقاليم البلدان الإسلامية (مصر، الأردن، فلسطين .. ) ولا شك أن هذه المعاهدات لا تلزم أي مسلم في الأرض، لأنها عقدت بمسميات وطنية إقليمية وهذه المسميات في أساسها باطلة لأنها تفرق بين أبناء الأمة الواحدة، والملة الواحدة، وبالتالي فما يعقده أي رئيس من رؤساء المسلمين منفردا لا يلزم جميع المسلمين في العالم، لأنه لم يفوض نيابة عنهم ولا يجوز له التحدث باسم جميعهم، وبالتالي فإن هذه الاتفاقيات لا تلزم عموم المسلمين، بل ولا تلزم أي فريق منهم، لأن الشعوب الإسلامية لم تستشر في شيئ من ذلك وإنما فاجأهم الساسة بما وقعوه وأبرموه، ومثل هذه العقود التي عقدت عن غير مشورة لا تلزم المسلمين.
5)هذه المعاهدات من عقود الإكراه، وعقد الإكراه لا يجوز في الإسلام.
السبب الخامس في بطلان هذه المعاهدات أنها من معاهدات الإكراه، فالشعوب الإسلامية التي وقع ساستها على هذه المعاهدات فرضوها عليهم بالقوة والبطش والإكراه والإلزام، ولم يستشر فيها أهل الدين من العلماء، وأهل الرأي والخبرة والنجدة والنظر من المسلمين، وإنما أبرمها من لا يقيم وزنا للدين، ولا يميز بين المشروع والممنوع وبين ما يجوز أن يصالح عليه الكفار وما لا يجوز، ثم فرضها بقوة ما معه من السلاح والقهر، والمسلم المقهور والمجبور الذي قد يظهر أنه راض - وهو مجبور ومقهور - لا أثر لرضاه هنا، ولا لإقراره لأن إقرار المقهور والمجبور لا أثر له في العقود، بل العقد لا بد وأن يكون عن رضا، فشرط صحة العقود في الإسلام هو التراضي بين المسلم والمسلم، فمن باب أولى بين المسلم والكافر، وإذا أجبر المسلم على عقد من العقود فإنه لا يجوز أن يقبل به إلا مجبرا وعليه رفضه عند بدء القدرة على رفضه ولو كان ذلك في قول كلمة الكفر: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106] .
ومن أجل الأسباب السابقة قلنا بأن هذه المعاهدات معاهدات باطلة وقعت يوم وقعت باطلة، والعقد الباطل كأن لم يكن وهي كعقود الربا و الزنا والسرقة وقطع الطريق وقتل المسلم، لا يجوز الوفاء بها ولا اعتقاد صحتها.
ومعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يعقد عقدا باطلا، ولو كان فيه بعض المنافع الدنيوية، فعقد الربا فيه نفع دنيوي لكل من المقرض والمقترض، ولكن منافعه ملقاة لأن الله حرمه، وكذلك عقد الزنا هو منفعة متبادلة بين الزاني والزانية، فالزاني يستمتع ويقضي شهوته، وهي تستمتع وتأخذ أجرتها، وكذلك في عقود الميسر، وبيع الخمر حيث فيها ولاشك بعض المنافع الدنيوية ولكن لما كان الله قد حرمها فإن منافعها الدنيوية تلغى ولا ينظر إليها.
وهذه المعاهدات التي أبرمت مع اليهود إذا احتج محتج بمنافعها الدنيوية، قلتا أن العقد المحرم يقع باطلا وإن كان فيه بعض المنافع الدنيوية، وجدال من يجادل في منافع الصلح مع اليهود كجدال من يجادل في منافع الزنا والربا والقمار وبيع الخمر ... الخ.
والعقود المبرمة مع اليهود أشد بطلانا من هذه العقود المحرمة، لأنها عقد على إسقاط الجهاد، وإسقاط العداوة للكفار، وإخراج المسلم من الإسلام، وسلخه عن أمته ودينه بل وتاريخه وحضارته. ولاشك أن هذا أكبر إثما من التعاقد على الربا والزنا والقمار وبيع الخمر.
6)هذه المعاهدات ستفسد دنيا المسلمين وليس دينهم فقط.
قد يجادل في صحة هذه المعاهدات وجواز الأخذ بها من يظنون أنها ستحقق خيرا للمسلمين في الدنيا، وأنها يمكن أن تجعل عند المسلمين فسحة من الوقت ليستعدوا لعدوهم، وقد يقول من يقول ممن باع آخرته بدنياه بأن ثمرات السلام كبيرة جدا، وأن هذا السلام المزعوم سيأتي بالخير والرخاء على شعوب المنطقة كما يقولون. والصحيح أن الفساد الدنيوي والمادي، والآثار الضارة لهذه المعاهدات كثيرة جدا، يربو أضعافا مضاعفة على ما يلوح ويظن من المنافع.
ومعلوم شرعا أنه لا يجوز للمسلمين أن يعقدوا صلحا مع عدوهم تربو فيه سيئاته على حسناته، وهذا في الشروط الجائزة، لأن مثل هذا يكون تفريطا في حق المسلمين، وضياعا لأموالهم، ودنياهم، ومصلحتهم.
وهذا أحد مبطلات العقد مع الكفار كما نص الأئمة على ذلك من حيث أنه لا يجوز إبرام عقد ليس في صالح المسلمين، فكل عقد تزيد خسائر المسلمين فيه على منافعه لا يجوز لهم أن يعقدوه لأنه يكون تفريطا في حق الأمة، وإعطاء للأعداء بغير سبب للإعطاء، وتقويتهم على المسلمين.
وهذه بعض الخسائر التي تحققت للمسلمين من وراء هذه المعاهدات:
1)أنها تطلق يد اليهود في أموال المسلمين، وتفتح أسواق المسلمين لهم، وترفع الحصار الاقتصادي عنهم؛ وبذلك تنمو تجارتهم ويستقوون بمال المسلمين على المسلمين، كما فعلوا ذلك في أمريكا وأوروبا فمع أن اليهود قلة في أمريكا بالنسبة لمجموع الشعب الأمريكي إلا أن الدورة الاقتصادية تكاد تكون جمعيها بأيدي اليهود، وبالتالي ملكوا ناصية الحياة في أمريكا، واستعبدوا شعبها، وهذا المصير المؤلم سيكون مصيرا للعرب لو فتح لهم باب الدول العربية ليسيطروا على اقتصادها ويعبثوا بهذه الأمة كما عبثوا بالشعوب النصرانية، وجعلوها في خدمتهم وتحت أقدامهم.
ومما يؤسف له أن الشعوب العربية الإسلامية قد تخلى كثير منهم عن آداب الإسلام وأحكامه، وأصبحوا من الشعوب المسرفة التي تنفق أكثر مما تكسب، ولا تكاد تنتج عشر مقدار ما تأكل وتركب وتلبس وتستعمل، واليهود عكس ذلك ... فهم أمة مدخرة منتجة عاملة وهذا سيجعلهم في النهاية سادة المسلمين وقادة العرب لأنه ستحول بالضرورة أموال المسلمين لتكون بأيدي اليهود، ويصبح أبناء العرب غدا خداما لليهود: عمالا في مصانعهم، وفلاحين في مزارعهم، وموظفين صغارا في مكاتبهم، وتجارا بالمفرق لكبار تجارهم، ووكلاء صغارا لشركاتهم، وخدما لبيوتهم، وبنائين وعمالا لعماراتهم.
2)دخول اليهود ليكونوا عضوا في جسم الدولة العربية والأمة الإسلامية بعد أن نزعوا عنها مسمى الإسلام والعروبة؛ فالمنطقة العربية الإسلامية قد نزع عنها الاسم وسميت باسم جديد (الشرق الأوسط) وهي تسمية تجعل دولة اليهود جزءا من هذا (الشرق الأوسط) لأن موقعهم فيه، وهذا سيعطى اليهود صفة المواطنة في هذا الجزء من أرض الإسلام، بل والأخوة والصداقة، والجوار، والوحدة في إطار هذا (الشرق الأوسط) الذي قد تقوم فيه وحدة سوق، ووحدة وسياسات وأهداف! وبالتالي يصبح اليهود جزءا من هذا النسيج، ودخول اليهود إلى الجسم العربي الإسلامي على هذا النحو سيعطيهم حرية الحركة في بث سموم الفرقة والبغضاء بين المسلمين، وينشرون العقائد الزائفة والنحل الكافرة، وكل ما امتازوا به عبر التاريخ في هدم أعدائهم.
إن اليهود هم الساعون في الأرض بالفساد منذ ضلوا عن دين الله المنزل على موسى، ولعنهم الله ولعنوا على ألسنة جميع أنبيائه ورسله بعد موسى {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [المائدة: 78] .. ولازال سعيهم بالفساد والإفساد إلى آخر الدنيا، وإلى أن يروجوا للدجال، ويمهدوا الأرض له على أنه الله ملك السموات والأرض فكفار اليهود هم الذين قتلوا أنبيائهم، وسعوا في قتل عيسي بن مريم، ونجاه الله مكرهم، وسعوا في قتل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ونجاه الله مرارا من ذلك. ثم كان موته بأثر السم الذي دسته امرأة منهم، وسعوا في إبطال دين الإسلام، ولا يزال هذا الدين قائما إلى آخر الدنيا رغم دسائسهم، وإلى أن يبيدهم الله بأيدي المسلمين في آخر الزمان.
وهؤلاء اليهود الذين أصبحوا بهذه المعاهدات جزءا من الوطن الإسلامي العربي الذي سموه (الشرق الأوسط) ستتيح لهم هذه المعاهدات أن ينفثوا سمومهم في أمة الإسلام، وأن يشعلوا الحرب الحروب الداخلية بين المسلمين بهدف تدميرهم وإذهاب قوتهم .. وسيفعلون ذلك آمنين مطمئنين لأنهم قد أصبحوا داخل البيت الإسلامي بعد أن كانوا - بنسبة ما - خارجه. وغدا لو طبقت هذه الاتفاقات، فلا يوجد مكان يمكن أن يمنعوا منه إلا مكة والمدينة، وأما سائر بلاد الإسلام والعرب فستكون مسرحا لمؤامراتهم وفسادهم.
فهل يقول عاقل إن هذه المعاهدات هي في صالح الإسلام والمسلمين في أمور دنياهم!
3)إن حقيقة المنافع التي لوح بها اليهود للمسلمين من وراء هذه المعاهدات إما أنها مضار خالصة، أو شيء تافه لا يقوم بما أخذوه وحصلوا عليه؛ فالتخلي عن حرب اليهود وعداوتهم هو مضرة خالصة لأنه ترك للدين، وإبطال للشرائع وهذا ضرر محض على المسلم، وأما أن السلام سيجلب المساعدات من الكفار للمسلمين فهذا ضرر كذلك لأن الكافر لا يساعد المسلم مجانا، ولا من أجل وجه الله، ومساعدات الكفار للمسلمين مشروطة بشروط من الذل والعار وترك الدين، وهدم الإسلام، وحرب الصالحين لا يرضاها من يخاف الله ويتقيه، وإما أن تكون قروضا يرتهن فيها المسلمون لأعدائهم، ويقع المسلمون بها في شباك الربا المركب الذي يرهن اقتصادهم وثروتهم بالكفار وهذا ما فعله الكفار في بلاد المسلمين.
وأما ما سموه بالحكم الذاتي للفلسطينيين فهو نوع من الذل والإهانة حيث تصبح الأرض لليهود، وللفلسطينيين كحكم أنفسهم في بعض شئونهم على أرض اليهود وليس أرضهم!
وقد كان أولى أن يعيش أهل فلسطين في أرض فلسطين، وهم يعتقدون أنها أرضهم المغتصبة خيرا من أن يعيشوا على أرض فلسطين وهم يعتقدون أنهم قد تنازلوا عنها لليهود، وقد أصبحت أرضا لليهود! ولأن يحكمهم اليهود بالقهر في جميع أمورهم، وهم كارهون معادون لهم خير من أن يحكموا أنفسهم في بعض الأمور الصغيرة ويتركوا كل الأمور الخطيرة بأيدي اليهود طوعا وتنازلا من الفلسطينيين لهم.
والخلاصة:
أن الخسائر الدنيوية والمفاسد العاجلة لهذه المعاهدات لا تحصى كثرة مع منافع إما أنها موهومة كالأمن والرخاء، وأما أنها قليلة عديمة المنافع، وفي المقابل تخلى المسلمون لليهود في هذه المعاهدات عن دينهم وعزتهم وكرامتهم وأرضهم ومقدساتهم ... فأي كسب يعدل هذه الخسائر؟!