الصفحة 9 من 36

على المسلمين وصلاحُه لنفسِه. اهـ بمعناه. وقد كان خالد -رضي الله عنه- أميرًا في الحربِ على مَن كانوا خيرًا مِنه عِلمًا ودِينًا وأسبقَ إسلامًا، لمَّا كان خيرًا مِنهم في الحربِ وأمورِها وأحسنَ مكيدةً. ويَطَِّردُ هذا؛ فيُختار لكلِّ أمرٍ مِن أمورِ المسلمين أصلَحُهم له؛ بحسبِ ما يُطلَب في كلِّ أمرٍ مِن صفاتٍ تعينُ على تحقُّقِ المقصودِ مِنه [وعد إلى مجموع الفتاوى 19/ 119، 22/ 254] .

والخللُ عِندنا اليوم مِن جهتين: عدم معرفتِنا صاحبَ العِلمِ مِن غيرِه، وعدمُ فِقهنِا للصفاتِ اللازمةِ -غيرِ العلمِ الشرعيِّ- (وهي علميةٌ ونفسية وسلوكية) للولاياتِ الشرعيةِ على ثُغورِ نصرةِ هذا الدِّينِ وإعدادِ جيلِ النصرِ وتصريفِ أمورِ الأمَّةِ في معركتِها مع عدُوِّها، فأمَّا الأوَّلُ: فإنَّك ترى النَّاسَ يَخلِطونَ بينَ الخطيبِ المفوَّهِ، والدَّاعيةِ المؤثِّرِ، والمجاهدِ الشُّجاعِ، والكاتبِ المثقَّفِ، وبين العالِمِ الواسع اطِّلاعُه المحقَّق رأيُه؛ فيُقدِّمونَ أولئكَ لِما يُقدَّمُ له هذا، ويجيزونَ لأنفسِهِم اتَّباعَهم ظانِّين أنَّهم أهلُ الذِّكرِ الذين أُمِرْنا باتِّباعِهم، ومِن فروعِ هذا الخللِ وصورِه الجزئيةِ: الخلطُ بين منازلِ أهلِ العِلمِ وجعلُ الطلبةِ الذين أحسنوا تحريرَ بابٍ مِن أبوابِ العِلمِ كالعلماءِ فيه، وتصدُّرُ صاحبِ طبقةٍ في العلمِ لما لم تحتملْه آلتُه العلميةُ بعدُ، وإن كانت تحتمل ما دونه.

وهذا كلُّه مِن صورِ ضياعِ العِلمِ في زمانِنا، وأثرٌ لقصورٍ في بعضِ جوانبِ نهضةِ القرنِ السَّالِفِ العِلميةِ، وهو أثرٌ للضعفِ العامِّ للأمةِ ولبعدِها عَن دينِها وذهابِ سُلطانِ الشريعةِ؛ ومؤثِّرٌ فيه أيضًا؛ وتفصيلُ أسبابِه لا يناسبُه المقامُ. ومَن نجا مِن هذا قلَّ أن ينجوَ مِن قرينِه، وهو إهمالُ الصِّفاتِ اللازمةِ للولاياتِ الشرعيةِ على ثغورِ الأمَّةِ، فتجدُ (كثيرًا) ممَّن يَحملُ لواءَ قيادةِ التَّياراتِ الإسلاميةِ (مِنَ العلماءِ) لم يُحصِّلْ مِنَ المعارفِ غيرَ الشرعيِّ المجرَّدِ، ولم يمارسْ غيرَ التدريسِ؛ وتجدُ مِنهم مَن يثني عليه طلابُه بأنَّه إذا خرج مِن مكتبتِه هَلَكَ! وأنَّه لا يَعرفُ ما يدورُ حولَه، وينهى عَن الاهتمامِ بالسياسةِ، ويذمُّ الاشتغالَ بها، ولا يعرفُ من هذه الأمور فوقَ ما يعرفُه عامَّةُ الناسِ إلا أقلَّها، وهؤلاء صنفان: خيرُهما مَن اعتزل هذه المسائل وكفاه أن يدرِّسَ طلابَه، ويفتي العامَّةَ في عباداتِهم النُّسُكيةِ، ومعاملاتِهم وأنكحتِهم. والصنفُ الثاني: مَن ناقضَ مقتضى إهمالِه لتلك المعارفِ، وتصدَّرَ للفُتيا في شؤونِ الأمَّةِ العامَّةِ، وتوجيهِ المسلمين، والكلامِ في العاملين للدِّينِ، وتصحيحِ الأفعالِ وتخطئتِها، ونحو ذلك من أبوابِ التوقيعِ عَن ربِّ العالمينَ، وهو ما يلزمُ لعلمِ حكمِ اللهِ فيه علمان: علمُ حقيقتِه من حيثُ وجودُه الكونيُّ وما يحتفُّ به على وجهٍ تفصيليٍّ، وعلمُ ما شرعَه الله لمثلِه، والقصورُ في العلمِ الأوَّلِ يتضمَّنُ قصورًا في الثاني لأنَّ الغالِبَ أنَّ فقه أمرِ اللهِ حقَّ الفقهِ لا يتمُّ لمَن قصَّرَ في إدراكِ الكونيَّاتِ وفقهِ حقائقِها، ومَن نازعَ في هذا لم يسعْه أن ينازعَ في أنَّ التقصيرَ في إدراكِ واقعِ الأشياءِ يلزم عَنه الخطأ في نسبةِ حكمِها الشرعيِّ إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت