أعلامًا على أيَّامٍ لأبناءِ الصَّليبِ أذلُّونا فيها (يوم فلانة) ، أيامٍ تسوِّدُ عِندَ اللهِ صحائفَ أبناءِ جيلِنا، وتعَيِّرُنا بها الأمَّةُ مِن بَعدِنا ما تعاقبَ اللَّيلُ والنَّهارُ، كيفَ لا وما يُنفِقُه سفهاءُ الأمَّةِ في يومٍ مِن أيَّامِ غَزوِهم الآثمِ على (باراتِ) الشَّرقِ والغربِ ومواخيرِهما؛ يسدُّ جوعَ فقرائها ويَدفعُ حاجةَ مجاهديها لسنواتٍ! وكيف لا يكونُ علينا عارًا وجحافِلُ مَن يَشدُّون الرِّحالَ ليَشهدُوا مُبارياتِ الكرةِ؛ تفتحُ روما كثرةً، وأكثرُ ثغورِ مدافعةِ الباطلِ تشتكي قِلَّةً وضَعفًا.
تشتكي هذه الثغورُ قِلَّةً في العَدَدِ زادَها سوءُ توزيعِ أبناءِ الأمَّةِ على هذه الثغورِ، لقلَّةِ الالتفاتِ إلى تفاوتِ هذه الثغورِ أهميةً، وحاجةً، وقلةِ الالتفاتِ إلى ما يَصلُحُ له مَن يريدُ أن ينصرَ هذه الأمَّةَ؛ ليُوَجَّه إليه. وتشتكي ثغورُنا ضَعفًا في أهليَّةِ كثيرٍ مِمَّن قامَ فيها؛ وهو أن يوسدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه، وهذا في أمرِ العِلمِ والدِّينِ أظهرُ مِنه في غيرِه، وما زالَ العلماءُ يُبيِّنون للأمَّةِ حرمةَ تصديرِ الجهلةِ مِن أنصافِ الفقهاءِ ومَن هم دونَهم، وآثارَ هذا المسلكِ؛ مِن الضَّلالِ عَنِ السُّنَّةِ والفرقةِ في الدِّينِ وظهورِ الفتَنِ.
وهو يكونُ في غَيرِ العِلمِ أيضًا مما يَتِّصلُ به، وهذا مِن أعظمِ آفاتِ الصَّحوةِ الإسلاميَّةِ المباركةِ، فإنَّنا لم نحسنِ التمييزَ بين معيارِ الأهليةِ في أمرٍ ومِعيارِها في غيرِه؛ وكان أكثرَ ما نزِنُ به النَّاسَ في هذا المقامِ: ميزانُ العِلمِ والدِّيانةِ، وهما شَرَفٌ لصاحبِهما ورفعة، وشرطٌ للأهليةِ في كثيرٍ مِن أمورِ المسلمينَ، ومرجِّحٌ في كثيرٍ؛ غيرَ أنَّ تقديمَهما مطلقًا في كلِّ شيءٍ وإهمالَ غيرِهما مفسدٌ لأحوالِ المسلمينَ، ومضعِفٌ لأهلِ الإسلامِ، وهو مخالِفٌ لأمرِ الشَّارعِ الحكيمِ؛ النَّازِل شرعُه لإصلاحِ المسلمينَ في الدَّارينِ، ولتكونَ العبوديةُ؛ بحقيقتِها الكاملةِ كما أرادَ اللهُ تبارك وتعالى، وقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- [عند مسلم] لأبي ذر: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا توَلَّيَنَّ على مال يتيم) وأبو ذر عالمٌ عَدلٌ أمينٌ؛ لكنَّ فيه ضعفًا يمنعُه -مع علمِه وحرصِه- من تحقيقِ المقصودِ مِن شرعِ اللهِ لتلك الولاياتِ.
وافهَمِ المرادَ بنظرِكَ في منصبِ القضاءِ مثَلًا، وهو منصبٌ دينيٌّ لا يكونُ لغيرِ صاحبِ عِلمٍ ودينٍ، وقد جاء الحديثُ (القضاة ثلاثة) بوعيدِ مَن تقلَّده فقضى بين النَّاسِ وهو جاهلٌ لا يُدركُ مثلُه الحقَّ، ومَن أدركَه فلم يقضِ به. وقد اشترط له -مع العِلمِ- شروطٌ تحقِّقُ القوَّةَ فيه؛ وفطنةٌ تؤهِّلُ متقلِّدَه لإدراكِ مرامي النَّاسِ، وأُلزِمَ كذلك بالرُّجوعِ إلى أهلِ الخبرةِ فيما لا يَعرفُ مِن أحوالِ النَّاسِ وأعرافِهم وما كان مِن جِنسِ العادِيَّاتِ مِمَّا يَعرفُه مَن يشتغلُ به؛ كأحوالِ الزِّراعةِ والتِّجارةِ.
ولمَّا كان الأمرُ كذلك؛ فإنَّه ربَّما قُدِّمَ في القضاءِ المفضولُ عِلمًا ودينًا على الفاضلِ فيهما؛ إذا كان خَيرًا مِنه بمجموعِ الصِّفاتِ التِّي تُعينُه على القيامِ بمنصبِه، بما يكونُ به مقصودُ القضاءِ مِن إدراكِ الحقِّ الذي به يتحقق العَدلُ بين النَّاسِ، وتقطع خصوماتُهم.
وانظر كذلك في تفضيلِهم في إمارةِ الجهادِ للقويِّ الشُّجاعِ ولو كان فيه فجور على الضعيفِ ولو كان صالحًا، كما قال الإمام أحمد: القويُّ قوَّتُه للمسلمين، وفجورُه على نفسِه، والضعيفُ ضعفُه