الصفحة 10 من 36

فكان مِنْ أهلِ العِلمِ مَن تصدَّرَ لما يلزمُ له نوعٌ مِنَ العلومِ ليس هو مِن أهلِها؛ فمِنهم مَن نزل ساحتَها بآلتِه وهو فيها عاميٌّ فيها، ومن هو فيها مثقَّفٌ ثقافةً تماسُّ بصاحبِها العلمَ ولا تولجِه فيه، ومن خاض في غيرِ فنَّه أتى بالعجائبِ، وإذا كانَ يتأخَّرُ عَن الفتوى -ويُفسِدُ إذا أقدمَ- مَن لم يبلغ به فقهُه للأمورِ أن يدركَ المآلاتِ البعيدةِ فكيف بمن جهل الحقائقَ الواقعةَ؟

ومِنهم من تدرَّعَ بتقليدِ غيرِه فيها ثقةً بعلمِه وإدراكِه وخبرتِه وأمانتِه، فأتي من ضعفِ غيرِه أو خيانتِه، كما لو أفتى عالمٌ مريضًا لا يضرُّه الصومُ بالفِطرِ؛ لقولِ طبيبٍ ظنَّه حاذقًا مأمونًا: إنَّ الصَّومَ يضرُّه، هكذا فعلت كثرةٌ مِن علماءِ الأمَّةِ في شؤونِها السياسيةِ وقضاياها، لمَّا ضعفَت بصائرهم عَن إدراكِ عمالةِ أبناءِ العلقميِّ وأحفادِ أبي رِغالٍ مِن الحُكَّامِ وخيانتِهِم للأمةِ، فصيَّرتْهم عيونًا لها تبصُر بها حقائقَ الدُّنيا وتفصيلاتِ النَّوازلِ، فكانَت فتاوى ومواقفُ ومناهجُ؛ ما زالَت آثارُها السَّيئةُ في الأمَّةِ .. هذه بعضُ المسالكِ الناقصةِ في هذه الأبوابِ.

وهذا الضعفُ العلميُّ -في العلومِ التي أشرت إليها- كان مِن أثرِه ضعفُ سلطانِ العلماءِ -الذي هو سلطان الشرع- على الأمراءِ، حتَّى زال سلطانُهم عَن الواقعِ السياسيِّ لبلادِ المسلمينَ، فضعفَ دورُهم في قيادةِ الأمَّةِ مِن الجهتين: جهةِ ضبطِ السُّلطانِ بالشَّرعِ، وجهةِ توجيهِ عامَّةِ المسلمينَ -الذين هم وقود مدافعةِ الباطلِ- التَّوجِيه الموافقَ لمرادِ اللهِ تعالى وأحكامِه، فيما ينزل بهم مِن نوازلَ وما يجدُّ فيهم مِن حوادث هي حلقاتٌ مِن سلسلةِ محاربةِ الكافرين لدينِ اللهِ ربِّ العالمين.

والأمرُ أنَّ كثيرًا مِن العلومِ قد تطوَّرَ في القرونِ الأخيرةِ وتشعَّبَ؛ فكان تحصيلُ الكفايةِ مِنها بغيرِ التفرُّغِ لها؛ عسيرًا، بل إنَّ أهلَ زمانِنا -لمَّا ضعف العلم- ينادون بالتخصُّصِ في فنٍّ مِن علومِ الشرعِ دون غيرِه! فكيف بالعلومِ غيرِ الشرعيةِ؟ وزادَ تحصيلَها صعوبةً -كذلك- غلبةُ الضعفِ العلميِّ على أهلِ تلك العلومِ المتخصصين فيها مِنَ المسلمينَ! وكونُ البارعين فيها قلةً؛ هم بين دفينٍ لا يُؤذنُ له بالبروزِ، أو طحينٍ ضاع عمرُه في تحصيلِ الرِّزقِ، أو ضالٍّ عَن حملِ همِّ أمَّتِه مفتونٍ بحضاراتِ الكفَّارِ، وزادَ هذا الطينَ بِلةً ضعفُ العملِ الجماعيِّ التنظيميِّ عِندَ التياراتِ الإسلاميةِ التي يقودُها العلماء، غفلةً عن أهميةِ ذلك وعن رجحانِ مصلحتِه على مفاسدِه وإن كثُرَت، وتسلُّطُ الجهلةِ بالشرعِ مِمَّن يُسمَّون بالمثقَّفين على مراكزِ القيادةِ في كبرياتِ الجماعاتِ الإسلاميةِ. هذا وغيرُه جعل كثيرًا من علماءِ المسلمين بين أمرين: إمَّا إخضاعُ العِلمِ لمراداتِ أهلِ السياسةِ الجاهليةِ مِن حيثُ لم يشعروا، أو الاجتهادُ بثقافةٍ تكشفُ المعالمَ الرئيسةَ للأحوالِ السياسيةِ والاجتماعيةِ، وربما بلغت -في قلةٍ مِنهم- مِن إدراكِ التفصيلاتِ ما يؤهِّلُ للتحليلِ والقراءةِ، وهذا حسنٌ، لكنَّه لا يؤهِّلُ للرياسةِ والقيادةِ، ولا يُحكِمُ التَّوجيهَ المفصَّلَ الذي يرومُ به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت