الصفحة 11 من 36

بعضُهم سدَّ هذا الثغرِ، أشبهوا بذلك مَن كان قصورُه من جهةِ العِلمِ الشرعيِّ؛ مِنهم الجاهلُ المحض، ومِنهم المثقَّف، ومِنهم الطالب المتقدِّم .. وعزَّ فيهم العالم المحقِّقُ، وليقس أهلُ العِلمِ على صنيعِ هؤلاءِ في العِلمِ فإنَّهم أخبرُ الناسِ به وبإفسادِه، صنيعَ مَن يتصدَّرُ لقيادةٍ وتوجيهٍ ليس عندَه ما يلزم لهما وما فيه من قصورٍ ويترتَّبُ عليه مِن فسادٍ؛ فإنَّهما في إفسادِ أمورِ المسلمينَ سواءٌ، وكما أنَّ مِن مسائلِ العلمِ ما لا يتأهَّل له طالبُه بقراءة كتابٍ وكتابين ودراسةِ سنةٍ أو سنتين بل بدراسةٍ متكاملةٍ تجمعُ الفنونَ، واطِّلاعٍ واسعٍ محيطٍ، وعلمٍ راسخٍ محقَّقٍ، ودُربةٍ عمليةٍ على النَّظرِ والاجتهادِ، وملكةٍ لا تحصلُ إلا لقليلٍ مِن المشتغلين بالعِلم (ومن أسباب قلتهم في زماننا: فساد طرائقنا في الطلب) ، فكذلك فقهُ واقعِ الزمانِ أو بعضِ جزئياتِه حقَّ الفِقهِ الذي يؤهِّلُ العالِمَ لقيادةِ الأمَّةِ فيه، وانتشالِها مِنه؛ لا يحصلُ بقراءةِ بعضِ الكتبِ والتقاريرِ، أو حضورِ بعضِ المجالسِ، بل بتكوينٍ علميٍّ شاملٍ له فروعٌ مِن المعارفِ بعضُها مدوَّنٌ مجموعٌ، وبعضُها منثورٌ لا يَجمعُه بابٌ، وبعضُها لا يحصلُ إلا بالممارسةِ العمليةِ الطويلةِ وبالسَّماعِ مِن أهلِ الخِبرةِ، وهو على كلِّ حالٍ لا يَحصلُ بغيرِ طولِ نظرٍ وتدقيقٍ وتذاكرٍ، وطولِ ممارسةٍ تكوِّنُ الملكةَ وتؤهِّلُ للاجتهادِ.

وهذا لو رامَ فقهَ بابٍ مِنه أو اثنين؛ ذكيٌّ منقطعٌ له؛ لكان عَليه عسيرًا لكنَّه ممكنٌ وحاصل، وأمَّا جمعُ أبوابِه كلِّها فهو كالمتعذِّرِ على الواحِدِ مِن علماءِ المسلمينَ، لكنَّ الغرضَ مِنه يحصلُ بالتَّكاملِ بينَهم في هذه الأبوابِ، وهذا الضربُ مِنَ التخصُّصِ محمودٌ ولا شكَّ، وبه تتفرَّقُ القيادةُ في آحادِهم، وتجتمعُ في مجموعِهم بتكاملِ جهودِهم إذا كانُوا جماعةً أو جماعاتٍ -بحسبِ الممكنِ- لها رؤوسٌ تَسوسُها، وتألِّفُ بينَ اتِّجاهاتِ أفرادِها، وتجعلُ أعمالَهم بحيثُ يكمِّلُ بعضُها بعضًا ويتمِّمُه ويُبرزُه، ويُجعل أحدُهم فيما يُحسِنُ مِن تلك الأبوابِ ويعانُ عليه، وتكمَّلُ آلتُه فيه، ويُصرَف عمَّا لا يحسنُه وإن ظنَّ مِن نفسِه غيرَ ذلك؛ فيكمل أثرُ عملِه، ويكون أنفعَ للمسلمينَ، ويستفادُ في ذلك مِن أصحابِ الكفاءاتِ غيرِ الشرعيينَ فلا غنى للأمةِ عَنهم، لكن لا يُصَدَّرون مستقلين لما هو مِن شأنِ أهلِ العِلمِ ولو كان عندَهم شيءٌ مِن العِلمِ، فإنَّ أكثرَ ذلك يضرُّ ولا ينفعُ، وشأنُ (النِّصفِ) أن يُفسِدَ ويضرَّ فيما هو (نصفٌ) فيه؛ وخاصَّةً ما كان مِن دقيقِ العِلمِ؛ كالحُكمِ على الفِرَقِ والجماعاتِ وأديانِ الناسِ، والاجتهادِ في المسائلِ الحادثةِ المركَّبةِ (ما يسمى بالنوازل) ، أو ما كان جليلَ الأثرِ؛ كالفتوى بمصالحةِ طائفةٍ كافرةٍ أو الاستعانةِ بها، أو إعلانِ دولةٍ في الجهادِ أو حلِّها، وسائرِ ما كان من هذا البابِ؛ يفسدُ فيه -في الغالبِ- مَن تكلَّم فيه بغيرٍ فقهٍ تامٍّ مفصَّلٍ لحقيقتِه مِن حيث وجودُه وما يحتفُّ به مِن أحوالٍ، وفقهٍ تامٍّ للشرعِ؛ يؤهِّلُ العالِمَ أو (الجماعةَ مِنَ المتخصصين) لإدراكِ الصوابِ فيه والفتيا به، وأمَّا الغنى بأحدِهما عَن فقهِ الآخر (أو عَن تمامِ فقهِه) فهو التعالُم المذموم، وشرٌّ مِنه أن يَتَّخذَ المجتهدُ في أحدِهما؛ الجهلةَ ومَن ليسوا بمأمونين للبصرِ بحقائقِ ما يجهل؛ وبمثلِ هذا مُكِّنَ الكُفَّارُ مِن إدخالِ جيوشِهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت