إلى بلادِ الإسلامِ، وبه أُفتيَ بأنَّ الجهادَ فتنةٌ، وبه استباحَ الغلاةُ قتالَ المسلمين، وبه دخَل بعضُ المتأولين في سياسةِ بعضِ ساحاتِ الجهادِ فأحدثُوا نقيضَ مقصودِهم، وبه نرى الوصايةَ على المجاهدينَ ممَّن لا يحسنُ إدارةَ جمعيةٍ خيريةٍ! (وما سبق يبين المراد هنا بالوصاية؛ وأما مطلق النصح فهو واجبٌ لا يُذمُّ بحالٍ ولو أخطأ صاحبُه) ، وبه نرى الجرأةَ على نَقدِ اجتهاداتِ العلماءِ مِن كلِّ مَن أمسك بقلمٍ وكَتَبَ، ثمَّ الحكمَ في أديانِهم والولوجَ في مقاصِدِهم، وبه غَلَبَ ما نكرَه مِن التظالِمِ والتدابرِ بين العاملين للدينِ -وهو آخذٌ في التناقصِ وإن يسَّر الله إلى زوالٍ-.
وعَودًا إلى المقصودِ أقول: إنَّ التكاملَ المشارَ إليه هو ما به يَعلو سلطانُ الشريعةِ -أوَّلًا! - على العاملينَ لإعلائه على النَّاسِ، وهذا لا يَحصلُ إلا بأن يتصدَّرَ العلماءُ لقيادةِ ثغورِ العملِ للدينِ بما ذُكِرَ، والعلماءُ إذا ذهبوا أو قصَّروا شغل مكانَهم الجهلةُ كما في الحديث (اتخذ الناس رؤوسا جهالا) ، سواءٌ كان هذا التقصير في عمومِ الفتيا، أم في التدريس، أم في الردِّ على المخالف والإنكار عليه، أم في توجيه الأمَّة في نوازلها وقيادتها في شؤونها، ودورهم في هذا عملي بالتصدُّر له، ورقابي، بمنع من ليس له بأهل من مزاحمتهم فيه. ومَن ينظرُ في الساحةِ اليومَ يجدُ أنَّها قد ملئَت بمَن انتصبَ لما أوجبه الله على العلماءِ وليس مِنهم لقلةِ العلماءِ فيها، وقد يكونُ تصدُّر هؤلاءِ فسادًا راجحًا؛ كما هو تصدُّر الجهلةِ لإنكارِ مخالفاتِ العلماءِ والدعاةِ بتكفيرِهم وظلمِهم والغلوِّ في توصيفِ مخالفاتِهم بما يفوِّت بيانَ الحقِّ فيها! وتصدرُ المنحرفين المسَمَّينَ بالمفكِّرين للتنظيرِ الشرعيِّ لبعضِ التياراتِ الإسلاميةِ، وما في ذلك مِن صيالٍ على أصولِ الدينِ بدعوى الاجتهادِ والتجديدِ.
وقد يكون مصلحةً راجحةً يشوبُها فساد مغمور، كاشتغالِ بعضِ الباحثين بالردِّ على المخالفين من العلمانيين وأهلِ البِدَعِ، وكلامِ بعضِ المثقَّفين فيما نَدَرَ أهلُه مِن العلماءِ مِنَ النوازلِ، بما فيه تخليطٌ وضعف فهم، وشيءٌ مِن الضَّلالِ، لكنَّه في جملتِه حقٌّ وصواب، وكما يتصدَّرُ للتدريسِ بعضُ الطلبةِ في الأمصارِ التي يندر فيها العلماء، وكما يشتغلُ عالمٌ بالكتابةِ في أمورِ الجهادِ وقضايا المسلمين ونصحِ العاملين في تلك الثغورِ وتوجيههم، وعنده من القصورِ في العلم بأحوال الثغور، أو في الخبرةِ بالتعاملِ مع مشكلاتِها ومنازعاتِ أهلِها؛ بحيث يسيءُ في بعضِ ما يوجِّه إليه .. والفقهُ أنَّ مثلَ هؤلاءِ لا يُنهَون عَن التصدرِ لمثل هذه الأعمالِ الجليلةِ لما يحدثون فيها من الفساد والقصورِ لمَّا كان نفعُهم هو الغالبَ (بحكمِ الخبراءِ مِن أهل الشأن) ، ما لم يغنِ فيها العلماءُ المؤهَّلون -بما يَلزمُ لمثل هذا- ويَكفوا.
فإلاَّ يكن العلماءُ أهل الدين رؤوسًا تتبعُهم الأمَّةُ؛ بأن يتركوا الاشتغال بشؤونِها، أو يتكلموا فيها بما هو ظاهر الضعف، فليس من زوالِ سلطانِهم على الشباب العاملين للدين الطامحين لنصرة الإسلام مِن بدٍّ، وقد بدأنا نرى ضعفَ هذا السلطانِ الآيل إذًا إلى زوالٍ، وهو على نوعين كلاهما