-أن قبائل قريش قد أجمعت قديمًا على محاصرة المؤمين ومقاطعتهم في شعب أبي طالب ومعهم بنو هاشم، ثلاث سنوات لا يبيعونهم ولا يشترون منهم؛ حتى لم يجدوا ما يأكلونه إلا ما يلتقطونه من خشاش الأرض، وأوشك المؤمنون على الهلاك لولا أن رحمة الله أدركتهم.
-وأصحاب الأخدود يلقون في النار ولا يقبلون المساومة على دينهم، ويفضلون الموت في سبيل الله، ثم يحفر الطاغوت أخاديده، ويوقد نيرانه، ويأمر زبانيته وجنوده بإلقاء المؤمنين في النار، وتأتي المفاجاة المذهلة؛ بدل أن يضعف من يضعف، ويهرب من يهرب، لا تسجل الرواية أن احدًا منهم تراجع أو جبن أو هرب، بل نجد الإقدام والشجاعة وذلك بالتدافع إلى النار، وكأن الغلام قد بث فيهم الشجاعة والثبات، وهاهم يجدون في اللحاق به وكانهم يتلذذون في تقديم أرواحهم فداء لدينهم؛ فكانوا هم المنتصرين، بل سماه الله عز وجل {فوزًا كبيرا} ؛ {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} .
-وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النظر عن قتال بدر، فقال: (يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع) ، فلما كان يوم أحد وأنكشف المسلمون فقال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -) ، ثم تقدم فأستقبله سعد بن معاذ، فقال: (يا سعد بن معاذ؛ الجنة ورب النظر .. الجنة ورب النظر .. إني أجد ريحها دون أحد) ، قال سعد: فما استطعت يارسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمج أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، فقال أنس: كنا نرى أو نظن، أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} .
-ونجد هذا المعنى من معاني الانتصار في الحديث الذي رواه خباب عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعوا لنا؟) ، قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب ما يصده ذلك عن دينه) .
ومن أنواع النصر الخفي الذي لا يراه إلا المؤمنون: