أن عدو الحق مهما كان متجبرًا مسرفًا في معاملة خصمه إلا أنه يتجرع ألوانًا من الأذى المعنوي والعذاب النفسي قبل أن يقدم على إيذاء خصمه. بل وأحيانًا بعد أن يفعل فعلته فإنه لا يجد للراحة مكانًا، ولا للسعادة طعمًا.
ولذا؛ فإن الحجاج بن يوسف عندما قتل سعيد بن جبير ذاق ألوان العذاب النفسي، حتى كان لا يهنأ بنوم، ويقوم من فراشه فزعًا ويقول: (مالي ولسعيد؟) حتى مات وهو في همه وغمه.
هذا ما نستيقنه في حربنا مع حامل لواء الصليب الطاغوت الأمريكي المتبجح .. فمع بطشه وتجبره بالعتاد والسلاح؛ إلا أنه يلقى من الهوان النفسي والكسر المعنوي ما لو صب على الجبال لتصدعت.
وقد جاء القرآن معبرًا عن هذه الحقيقة كما في سورة آل عمران، فقال سبحانه: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيض قل موتوا بغيضكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط} ، وقال سبحانه: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا} .
ومن الصور التي تخفى على مطموسي البصائر:
ترقب الحياة الكاملة التي أعدها الله لأوليائه وأصفيائه، قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} .
من لم يمت بالسيف مات بغيره تنوعت الأسباب والموت واحدُ
ومن خلال ماسبق يتضح لنا المفهوم الشامل للانتصار، وأنه لا يجوز لنا أن نحدد نوع الانتصار الذي نريده.
وإن من دواعي الثبات والاستبسال - كما رأيناه على أرض الفلوجة - أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن من علامات انتصار دين الإسلام أنه لن تستطيع قوة في الأرض أن تهلك جميع المؤمنين، كما كان يخشى في عهد نوح أو في أول الرسالة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن الجهاد سيبقى قائمًا عاملًا في الأرض، كما ورد في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) .