-ففي مطلع القرن العشرين؛ عقدت بريطانيا اتفاقها الشهير مع المدعو الشريف حسين، وأعطته الضمانات على تنصيبه ملكا للعرب في حال وقوفه إلى جانبهم في الحرب ضد العثمانيين، وما أن انتهت من العثمانيين؛ التفتت إلى حلفيها الذي قاتل عوضا عنها، وألقت به منفيا يصارع الأمراض وتأكله الحسرات.
يقول لورانس في"أعمدة الحكمة السبعة": (لقد كنت أعلم أننا إذا كسبنا الحرب؛ أن عهودنا للعرب ستصبح أوراقا ميتة، ولو كنت ناصحا للعرب لنصحتهم بالعودة إلى بيوتهم، لقد كان قادة الحركة العربية يفهمون السياسة الخارجية فهما عشائريا بدويا، وكان البريطانيون والفرنسيون يقومون بمناورات جريئة اعتمادا على سذاجة العرب وضعفهم وبساطة قلوبهم وتفكيرهم، ولهم ثقة بالعدو، إنني أكثر فخرا أن الدم الإنجليزي لم يسفك في المعارك الثلاثين التي خضتها، لأن جميع الأقطار الخاضعة لنا لم تكن تساوي في نظري موت إنجليزي واحد) ، انتهى كلامه.
-وقبل ما يقارب ثمانية عقود خلت؛ هبت في مصر ثورة عارمة، انطلقت شرارتها من المساجد، والتف عليها بني الأصفر حينها، واستدعوا على جناح السرعة ما أسموه"زعيم الأمة المصرية"- سعد زغلول - من منفاه وارتضوه أمينا على مصالحهم ووكيلا على مصر، فهو علماني من بني جلدتهم، وسيتكفل لهم بتقويض الشرع وتغيبب التحاكم إلى الكتاب والسنة، فلم يخافون منه إذا؟!
-وفي تلك الحقبة تفجرت في العراق"ثورة العشرين"؛ وعلى الرغم من أنها لم تكن دعوة إلى الجهاد أو تحكيم الشرع، إلا أن الإنجليز وجدوا أنفسهم في ورطة، واضطروا صاغرين إلى الإتيان بفيصل ابن الحسين وتنصيبه ملكا على العراق.
-وفي ثلاثينيات القرن الماضي قامت الثورة الكبرى؛ التي أشعلها عز الدين القسامي في فلسطين ضد اليهود، وعجزت بريطانيا عن إخمادها، فاستنجدت بخادمها الملك عبد العزيز آل سعود، الذي أرسل ولده فيصل ليتحايل على زعماء الثورة من أجل إيقافها بعد أن تكفل لهم بوفاء"صديقتنا بريطانيا"- على حد وصفه - وتراخى الثوار، ليعطوا لبريطانيا فرصة استعادة أنفاسها وترتيب صفوفها، لتنقض عليهم وتتمكن من إخماد الثورة، وتصفيه رؤوسها.
ويلاحظ مما تقدم ...