الصفحة 83 من 178

فهذا هو مذهب مرجئة الجهمية الذين يحصرون الكفر في الاعتقاد القلبي ولا يكفّرون بالأقوال والأعمال الظاهرة .. وليس هو بمذهب أهل السنة والجماعة الذي ينتسب إليه هؤلاء الرهبان من عباد القصور زورا وبهتانا، كما ينتسب إليه زورا وبهتانا أيضا عباد القبور .. فلا ينبغي لمسلم أن ينطلي عليه باطل هؤلاء وأولئك بمجرد المزاعم والدعاوى العارية عن البراهين ..

فقد قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)

والدعاوى إن لم يقيموا عليها *** بيناتٍ أصحابها أدعياء

ولو صح زعمهم (بأن الكفر محله القلب والاعتقاد) وحسب؛ لما كفر على وجه هذه الأرض شيطان مريد؛ إذ كيف السبيل إلى الحكم على بواطن الأمور؟! ولذلك فنحن إنما أمرنا بالظاهر وعليه علقت مناطات الأحكام الشرعية في الدنيا؛ فلا تكفير إلا بقول أو عمل ظاهر كما دلت عليه أدلة الشرع وقرره العلماء المحققون؛ ولم نؤمر بالتنقيب عن قلوب الناس ولا نستطيعه أصلا، ولو كان زعم هذين الراهبين حقا! فلأي شيء شرع حد الردة إذن!؟ وكيف السبيل إلى تطبيقه!؟ مادامت الردة حكم معلق بما في مغيب القلوب كما يزعمون!!

وكم في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما ينقض هذه الشبهة المتهافتة!؟ من تكفير أناس قالوا كلمة الكفر بألسنتهم فكفروا بعد إسلامهم، وكفّرهم الله مع أن بعضهم كان يحلف ويتعذّر بدعوى شبيهة بدعوى الراهبين هنا؛ وأنهم لم يكونوا جادين بذلك أو معتقدين له (إنما كنا نخوض ونلعب) ، وأناس مارسوا الكفر بأفعالهم، فكفرهم الله وأحبط أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وبعضهم يحلف إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ..

وهذا كله معلوم في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي كلام العلماء الربانيين والأئمة المحققين .. ولكن هؤلاء الرهبان يعرضون عنه، ويُلْبِسون كلامهم وشبهاتهم لباس التحقيق المزعوم؛ ليموّهوا على العوام ويلبّسوا على الطغام ..

ثم قال البيان: (وأما الشبهة الثانية فهي: الولاء والبراء، وهو أيضا مبدأ وضع في غير محله وحمل على غير محمله، فكفر الناس بظواهر لا حقيقة لها ومجملات لم تفهم على تأويلها ... فالولاء أنواع ودرجات، المخرج منها عن الملة واحد هو الولاء في العقيدة، ) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت