يطلق الإجماع على مذهب الجمهور والإمام النووي ينقل الإجماع ثم يحكي الخلاف في نفس الصفحة ومن هذه المسائل التي فعل القرطبي ذلك مسألتنا هذه حيث قال: (لا خلاف ان القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود) تفسير القرطبي [2/ 165] .
واضح من هذا النص أن القرطبي نفى الخلاف في مسألة من يقيم حد القصاص وهي من الحدود ولم يفرق في ذلك بين الحر والعبد بل أطلق نفي الخلاف في حد القصاص وغالب الظن والله أعلم أن"البيان"اعتمد على هذا النص في نقل الإجماع في المسألة وها هو القرطبي يثبت الخلاف المشهور قديمًا وحديثًا لذى صغار طلبة العلم في من يقيم الحد على العبد والأمة فقال:
(واختلف العلماء فيمن يقيم الحد عليهما - يعني العبد والأمة - فقال ابن شهاب: مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنى إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه ... وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم منهم ابن عمر وأنس ولا مخالف لهم من الصحابة وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم وقال أبو حنيفة: يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنى وسائر الحدود وهو قول الحسن بن حي وقال الشافعي: يحده المولى في كل حد ويقطعه واحتج بالأحاديث التي ذكرنا وقال الثوري و الأوزاعي: يحده في الزنى وهو مقتضى الأحاديث والله أعلم) [تفسير لقرطبي5/ 95] .وبنحو هذا الكلام أو مثله يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر: (قال أبو عمر: روى الثوري عن عبد الأعلى عن ميسرة عن علي أن النبي عليه السلام قال:"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"واختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث فقال مالك:"يحد المولى عبده وأمته في الزنا وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام"وهو قول: الليث وقال أبو حنيفة:"يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنا وفي سائر الحدود"وهو قول الحسن بن حي وقال الثوري في رواية الأشجعي عنه:"يحده المولى في الزنا"وهو قول الأوزاعي وقال الشافعي:"يحده المولى في كل حد ويقطعه"وحجته قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"وقوله صلى الله عليه وسلم"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"وروى عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود