ومراد العلماء في أن الحدود من الأحكام السلطانية إنما هو ضبط الأمور والقدرة على التنفيذ والإستطاعة فمن كان يستطيع استطاعة شرعية إقامة حدٍ من حدود الله بدون مفسدة فعليه أن يقيم ذلك الحد ولا بد ولا سيما إذا كان الإمام أو الرئيس يضيع الحدود أو لا يقدر على التنفيذ.
والمراد بالاستطاعة الشرعية ليس مجرد إمكان الفعل وإنما يراعي الشرع لوازم ذلك الفعل وتبعاته قال شيخ الإسلام في بيان ذلك: (فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل بل ينظر إلى لوازم ذلك فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية كالذي يقدر أن يحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله أو يصلي قائما مع زيادة مرضه أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك) (فهذا في الشرع غير مستطيع لأجل حصول الضرر عليه) [منهاج السنة3/ 49] .
وهذه الإستطاعة ليست شرطًا للصحة وإنما هي شرط للوجوب وفرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب.
وليس هناك آية في كتاب الله ولا حديث صحيح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع محفوظ يدل على أن الحدود من خصوصيات الإمام فإن كان عند الشيخين شيء من ذلك فاليتفضلوا بنا مأجورين مشكورين بإذن الله.
وسؤال آخر أطرحه على صاحبي"البيان"هل لأمير الطائفة الباغية الخارجة عن طاعة إمام أهل العدل إمامةٌ شرعيةٌ؟ فإن قلتما"نعم"فهده مخالفة لنص كتاب الله سبحانه وتعالى حيث سمى الله بغاة في سورة الحجرات فإن قالا ليس لأميرهم إمامةٌ شرعيةٌ - وهوالحق الذي لا ريب فيه - فقد بطل قولهما في عدم جواز إقامة الحدود لغير الإمام لـ (أن أهل البغى ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل) كما قال العلماء
النقطة السادسة: وأما الإجماع الذي حكاه"البيان"عن القرطبي مع أنه لم يُذكر فيه مصدر الإجماع فحبذا لو سكتوا عنه فإنه ثلمة في مكانتهم قبل بيانهم وأكاد أجزم أنهما يعرفان حق المعرفة أن هذا الإجماع ادعاء فقط لا أكثر ولا أقل لأنه بات معروفًا لذى صغار طلبة العلم ثبوت الخلاف في ذلك وأن كثيرًا من الفقهاء كالقرطبي والنووي وابن عبد البر وابن قدامة وابن العربي وغيرهم يحكون الإجماع في مواضع الخلاف كما هو واضح لمن طالع مؤلفات هؤلاء بل إن القرطبي ينفي الخلاف عن مسألة ثم يحكي الخلاف فيها وابن عبد البر