فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه وتعطيل لكل ما في شريعة الله ... ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها هذه واحدة. وأخرى: أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة وإما أن يكون حكم به متأولًا حكمًا خالف به سائر العلماء فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب وسنة رسول الله وأما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمرجاحدًا لحكم من أحكام الشريعة أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام فذلك لم يكن قط فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه.
فمن احتج بهذه الأثرين وغيرهما في غير بابها وصرفها إلى غير معناها رغبة في نصرة سلطان أو احتيالًا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله أن يستتاب فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي تبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين). [عمدة التفسير 1/ 684 - 685] .
وهذا ما ذهب إليه كل من الشيخ أحمد شاكر والشيخ محمود شاكر رحمهما الله في عمدة التفسير والشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود حفظه الله في كتابه النفيس [الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه 215 وما بعدها] والشيخ عبد المجيد يوسف الشاذلي في كتابه القيم [حد الإسلام وحقيقة الإيمان 515 وما بعدها] .والشيخ جمال سلطان في كتابه [جدور الإنحراف في الفكر الإسلامي الحديث 157وما بعدها] .والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله حيث قال:(وأما الذي قيل فيه: كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها.
أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهوكفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل ففرق بين المقرِّر والمثبِت والمرجع، جعلوه هو المرجع فهذا كفر ناقل عن الملة."تقرير") [فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 12/ 280] .والشيخ محمد قطب حفظه الله وعافاه حيث قال: (مظلوم ابن عباس فقد قال ما قال وهو يسأل عن الأمويين: أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله فما القول فيهم؟ وما من أحد على الإطلاق قال عن الأمويين أنهم