واعلم أن الجنون ينقسم إلى جنون عارض مرجو زواله، فهذا لا يمنع من عقد الإمامة ابتداء واستدامة، لأنه كالإغماء، وقد أغمي على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدح ذلك في نبوته فالإمامة أولى.
وأما الجنون اللازم فإما أن يكون ملازمًا كل الوقت وهو ما يعرف بالجنون المطبق، وإما أن يلازم غالب الوقت، وكلاهما يمنع عقد الإمامة ابتداء واستدامة، فينخلع الإمام إذا جن جنونًا لازمًا مطبقًا أو غالبًا، أي ينخلع بنفس الجنون ولا يحتاج إلى خلع من أحد.
وأما إن كان الجنون ملازمًا أقل الوقت، فإنه يمنع عقد الإمامة ابتداء، وهل يمنع استدامتها؟ فيه قولان. ولعل الأقرب أن يقال: ينظر في ذلك إلى المصلحة والمفسدة، فإن كان خلعه لا يتم غالبًا إلا بحروب تربو مفاسدها على المصلحة المرجوة من خلعه، فإنه يصبر عليه ويدرأ شره أو يخفف بما أمكن من الوسائل؛ وإن كان في بقائه شر أكبر من شر خلعه كان خلعه متعينًا، والله تعالى أعلم وأحكم.
الشرط الرابع: الحرية: ذكر الإجماعَ على هذا المهلب فقال: [وأجمعت الأمة على أنها لا تكون في العبيد] فتح الباري 13/ 122. وقال العلامة الشنقيطي: [ولا خلاف في هذا بين العلماء] أضواء البيان 1/. وذلك لأن العبد لا يحق له التصرف إلا بإذن سيده فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره؟ ثم إن النفوس مجبولة على عدم الانقياد له.
فإن قيل: قد ورد ما يدل على جواز إمامة العبد وهو:
1 -حديث أنس عند البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة} كتاب الأذان-باب إمامة العبد والمولى وباب إمامة المفتون والمبتدع وكتاب الأحكام - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية وابن ماجه - أبواب الجهاد - باب طاعة الإمام. ونحوه في